وقد فاه المنافقون في عهد الرسول بأنهم أعزة وأن الرسول في زعمهم الفاسد لم يكن بهذه الصفة وأنهم يستطيعون إخراجه من المدينة كما حكى الله عنهم ذلك في قوله: وقالوا لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، والحقيقة أن العز يخرج الأذل ولكن الأعز هو الله ورسوله والمؤمنون، ولله العزة ولرسوله وللمومنين، فالمومنون هم الذين يمكنهم إخراج المنافقين لأنهم الأعزة أما الذلة لا تفسح له مجال نشر دعوته ولا تضمن انتشاره ولا انتصاره وليس تلك المسألة إلى حد الصفع من توجيهاته الحيوية التي ترمي في جوهرها إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال الله في وصف المومنين «الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر» وقد بين النبي (ص) كيفية تغيير المنكر حيث قال من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فغن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فأمر النبي بتغيير المنكر باليد وبين أن الانتقال من التغيير باليد إلى التغيير باللسان مشروط بعد استطاعة تغييره باليد، والمنكر قد يكون صادرا عن شخص كما يكون صادرا عن جماعة وما عجز عن تغييره الفرد لا تعجز عنه الجماعة وقد كانت قريش عقدت بينهما حلفا في الجاهلية يسمى حلف الفضول يضمن نصرة كل مظلوم بمكة، حيث تعاهدت على ألا تجد بمكة مظلومات من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمهم حتى ترد عليه مظلمته.
وحضر النبي (ص) هذا الحلف وأشاد به بعد أن شرفه بالرسالة حتى قال لقد حضرت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو ادعى به الإسلام لا جبت فهذا الحلف هو من باب تغيير الجماعة للمنكر ومن أعظم المناكر العامة في البشرية منكر الشرك باله فبعث الله رسوله بعقيدة التوحيد المنفية للشرك فكانت مهمة نشرها وإعلانها صعبة وأنزل عليه قوله (فأصدع بما تومر وأعرض عن المشركين) فهل تحولت بسببه الجزيرة العربي من الوثنية إلى التوحيد والدخول في دين الإسلام بمجرد الدعوة وإهمال الاستعداد والقوة، واستعمال هذه القوة في الوقت المناسب أم أن الاستعداد وقع وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم. وقال في الإذن لاستعماله لرد عدوان المشركين على المومنين «أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله». وقد كان الإسلام يريد أن يظهر أمام أعدائه بمظهر القوة والعزة لا بمظهر الضعف والذلة في كل مرحلة من مراحل كفاحه، فقد دأب النبي عليه السلام يدعو إلى الله في مكة بعد ثلاثة عشر سنة قبل الهجرة إلى المدينة ويعرض دعوته في موسم الحج على القبائل لتدخل ف يدين الإسلام كما يعرض نفسه لتحميه حتى يبلغ رسالة ربه، فاستجاب في هذه الثناء جماعة الأنصار وفشت دعوة الإسلام في المدينة فرأت قريش أن محمد ابن عبد الله وجد سندا خارج مكة فصار لا يومن جانبه فتآمرت على قتله واغتياله بواسطة جماعة من الشبان من قبائل مختلفة حتى لا يقدر بنو هاشم على الأخذ بثأره منها مجتمعة ففشلت المؤامرة بإذن الله لنبيه في الهجرة إلى المدينة، فاجتمع شمل المسلمين بها، وصار الاستعداد والمناوشات وفي النهاية الجهاد والقتال بين الرسول وبين قبيلته، ومن أهم ذلك غزوة بدر التي انتصر فيها المسلمون، وقتل فيها صناديد من المشركين، وغزوة أحد التي امتحن فيه المسلمون واستشهد فيها كثير من المومنين.
وقصد النبي زيارة البيت فمنعته قريش وكان الصلح على أن يرجع في العام القابل لزيارة البيت الحرام فلما رجع أشاع أعداؤه أن حمى المدينة نهكت المسلمين، فخرجوا ينظرون على طواف المسلمين بين الصفا والمروة فقال النبي لأصحابه (رحم الله أمرا أراهم اليوم من نفسه قوة) فصاروا يسرعون في الطواف بين الصفا والمروة فكان هذا الطواف زيادة على كونه عبادة من مناسك الحج كاستعراض للقوة أمام لخصم لهزم معنوياته وهكذا كان الشأن في مظاهر الإسلام القوية في مختلف المناسبات.
ومن أروع ذلك الاستعراض الذي وقع يوم فتح مكة حسبما رواه ابن هشام في السيرة، أنه بعد ما أجار العباس بن عبد المطلب أبا سفيان حتى أسلم قال أي العباس قلت يا رسول الله أن أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئا قال نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله (ص) يا عباس أحبسه بمضيق الوادي حيث أمرني