المسافة بينهما خمسين ميلا فقط بدلا من المسافة الحاضرة لكان المد شديدا هائلا بحيث يغرق جميع الأراضي المنخفضة في القارات كلها، بل تبلغ قوته إلى أن يزيل الجبال ويكسحها من أماكنها، وحينئذ يتوقع أن يغمر الماء الأرض كلها فلا يظهر شيء من القارات، ويحدث المد في الهواء عواصف هائلة كل يوم، وفي هذه الحال لا يمكن وجود الحياة إلا في قعر البحار المحيطة.
أقول فمن الذي جعل القمر بعيدا من الأرض بالقدر الذي ينفع ولا يضر، فغن المد الذي يحدثه القمر في البحار ينفع الناس، فلولاه ما أمكن دخول البواخر الكبيرة من خليج البصرة إلى شط العرب وهو النهر المتألف من دجلة والفرات فلا تصل البواخر إلى عبادان ولا المحمرة ولا البصرة، وبيان ذلك إن ماء النهر لا يكفي لدخول البواخر الكبيرة وسيرها فإذا جاء المد دفع ماء النهر إلى الوراء فامتلأ النهر وأمكن سير البواخر فيه، فإذا جاءت البواخر في وقت الجزر تنتظر وقت المد لتدخل إلى المراسي المذكورة، وكذلك تفعل إذا أرادت الخروج منها، وليست فائدة المد منحصرة في ما ذكر فإن سقي المزارع في ناحية البصرة يتوقف على المد، فكل مزرعة أو جنة يريد صاحبها سقيها فما عليه إلا أن يفتح مدخل الماء من النهر أو من احد فروعه قبل وقت المد فإذا جاء المد دخل الماء فسقيت المزرعة أو الجنة بالقدر الذي يريده صاحبها فإذا أراد صرف الماء وقطعه عنها فما عليه إلا أن يسد الشعب الذي يدخل منه الماء، وهناك فوائد أخرى في المد حرفنا النظر عن ذكرها فسبحان الخلاق العليم.
ولو أن القارات زالت لغمر ماء البحار الأرض كلها وصار عمقه نحو ميل ونصف وانعدمت الحياة إلا في قعر البحار المحيطة كما تقدم، وبناء على القوانين الفلكية المعترف بها يرى علماء الفلك أن المد الذي يحدثه القمر في لبحار يدفع القمر نفسه ليبعده عن الأرض، وفي الوقت نفسه يؤثر بطئا في دوران الأرض من أقل من ست ساعات إلى أربع وعشرين ساعة في اليوم، فالقمر الذي هو الآن سمير للعشاق سيبقى مستمرا على نظامه البديع بإذن الله لمدة بليون من السنين، وأولئك الفلكيون أنفسهم يعتقدون أيضا طبقا للقوانين الفلكية نفسها انه سيرجع في يوم من الأيام إلى الأرض وأهلها (كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون).
أقول فمن الذي أحدث ذلك التفاعل المفيد بين الأرض وابنها الوحيد القمر لمصلحة العباد وسيحفظه كذلك إلى يوم الميعاد، ويومئذ تنفطر السماء وينشق القمر وتكور الشمس وتنكدر النجوم وتسير الجبال، (كل من عليها فإن ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
يقول علماء الفلك إن مادة الأرض قد اقتطعت من الشمس على شكل خليط من العناصر الغازية تبلغ حرارته اثنى عشر ألف درجة وألقيت في الفضاء الذي لا نهاية له، من ذلك تطورت الأرض حتى صار لها نظام شمسي دقيق، وكل طور من تلك الأطوار جاء مترتبا على ما قبله بتقدير وتطبيق في غاية الأحكام ومنتهى الكمال لا يقع فيه اختلاف ولو في بليون سنة.
أقول هذا كلام علماء الفلك وهو واضح في الدلالة على الخالق العليم القدير الذي أحسن كل شيء خلقه فتبارك الله رب العالمين.
(يتبع .... )