تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 06

الإيمان بالله والاكتشافات العلمية الحديثة

للأستاذ: محمد الطنجي

من شأن الاكتشافات العلية أن تزيد في لفت الأنظار إلى ما تنطوي عليه الظواهر الكونية من خواص وأسرار، وقد اخذ نطاق هذه الاكتشافات يلبس في هذه الأيام حللا جديدة بغزو الفضاء واختيار أجوائه وأقطاره، وما فيه من خواص وجاذبية، بل وقع التطلع إلى ما في القمر من معادن وما يحتويه من كنوز يمكن أن يزيد باستخدامها العلم البشري اتساعا، والحضارة الإنسانية علوا وارتفاعا.

وإذا كان رواد هذه الآفاق الكونية نبهوا شعور الناس إلى أسرار علوم وإمكانيات جديدة فإن هذا الشعور ينبغي أن يقوي الإيمان في كل النفوس بعظمة خالق هذه الأكوان بتقدير حكيم، يحفظ وجودها، ويحقق بها الخوارق للعادات بطرق عملية كانت في نظر العقول بعيدة المرام عسيرة الإدراك، وكل هذه المعارف والفروض والإمكانيات لو تحققت لا تخالف القرآن بل تسير في المجال الذي لفت الأنظار إليه وحض عليه، فقد قال الله تعالى: «أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء» ... كما أشار إلى أنه سيرى البشر هذه الأسرار، بالفعل حتى يتيقنوا بربوبيته لكل شيء وعظمة قدرته، التي لا نهاية لها، قال تعالى: «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد؟» ..

بل إن القرآن لبلاغته الخارقة يشرك العوام مع الفلاسفة وأصحاب المعامل التحليلية في الاستفادة من آيات إبداعه، في خلق الأشياء وخواصها بما لم يسبقه إليها كتاب سماوي. انظر إلى قوله تعالى: «وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون» .. فالعامي يدرك أن وحدة التربة والماء، وتأثير الشمس والهواء، ينبغي أن تكون الثمار الناتجة عن ذلك من نوع واحد متشابهة ولكن اختلاف شكلها ولونها وطعمها هو بقدرة الخلاق العليم سبحانه، كما أن القياس الفلسفي يؤيد هذا المنطق ولا يزيده التحليل العلمي إلا تأييدا وإثباتا، وقد استدل الإمام الشافعي على وجود الصانع وقدرته بورقة التوت تأكلها الدجاجة فتخرج بيضة، وتأكلها البقرة فتخرج ابنا، وتأكلها دودة القز فتخرج حريرا، .. وهو من نوع استدلال الآية السابقة، وقد تكلم الغزالي في كتابه (جواهر القرآن على أفعال اله سبحانه) فقال: «ليس في الوجود إلا الله وأفعاله وكل ما سواه فعله، لكن القرآن يشتمل على الجلي منها، الواقع في عالم الشهادة كذكر السماوات والكواكب، والأرض والجبال والشجر، والحيوان، والبحار، والنبات وإنزال الماء الفرات، وسائر أسباب النبات، والحياة، وهي التي ظهرت للحس، وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها ما لم يظهر للحس، بل هو من عالم الملكوت وهي الملائكة والروحانيات والروح والقلب، أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي، فإنهما أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة».

وإن أساس ارتكاز الإيمان في النفوس يبدأ من الاعتراف بما وراء المادة، من روحانيات، هذا الاعتراف الذي يقود النفوس حتما إلى الاعتراف بخالق الكون، ومدبره وربه ومليكه، وإن تعصب بعض الشبان في مختلف الأمم الذين أشربت قلوبهم حب الحضارة المادية عن الاعتراف بالخالق قد يقودهم ذلك التعصب إلى إنكار أرواحهم ووجودهم، لأن الإنسان إذا لم يؤمن بغير الماديات التي يراها ويحس بها أخشى أن يلزمه إنكار روحه، وعقله فيقع به كما وقع للجهم بن صفوان، وفي تاريخ البحوث والمناظرة أمثلة من هذا، فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التسعينية في الرد على الملحدة والزنادقة، إن الجهم بن صفوان لقى ناسا من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٤٥