تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيامنا وليالينا أطول مما هي عليه عشرات المرات، فشمس الصيف الحامية تحرق جميع النبات وفي ليال الشتاء الطويلة يجمد كل شيء وتكون الحياة مستحيلة.

أقول للشاكين وأساتذتهم المشككين ماذا تقولون في هذه الدقة في دوران الأرض على محورها بالقدر الذي يصلح لحياة الحيوان والنبات لا أكثر ولا أقل. إلا ترون وراء هذا النظام الدقيق علما وقدرة وتدبيرا مقصودا محكما؟ أتظنون أن هذا كله وقع على سبيل المصادفة فأين تذهبون؟.

والشمس التي هي مصدر جميع الحياة، تبلغ الحرارة على وجهها إثنى عشر ألفا (فارنهايت)، وأرضنا بعيدة من الشمس التي هي نار حامية بعدا كافيا بالقدر الذي تعطينا فيه الحرارة الكافية لحياتنا لا أكثر ولا أقل. إنه لنظام عجيب. ومع مضي الملايين من السنين لم تختلف حرارتها إلا قليلا ولذلك بقيت الحياة مستمرة، لو تغير مقياس الحرارة على وجه الأرض حتى بلغ معدله خمسين درجة لمدة سنة لمات كل نبات على وجه الأرض ولاحترق الإنسان أو جمد، وتدور الأرض حول الشمس بسرعة ثمانية عشر ميلا في كل ثانية، ولو أن سرعة دورانها كانت سنة أميال أو أربعين ميلا في كل ثانية لبعدنا كثيرا جدا من الشمس أو لقربنا منها كثيرا وحينئذ لا يمكن أن تكون حياتنا على الشكل الذي هي عليه الآن.

فمن الذي جعل دوران الأرض حول الشمس ثمانية عشر ميلا في الثانية، وقدر ذلك عالما به وجعله على القدر الذي تصلح عليه حياة الحيوان والنبات لا يزيد ثانية ولا ينقصها، أليس هو العليم القدير.

«والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم».

والنجوم تختلف في الحجم كما نعلم، فمنها الكبير إلى حد أنه لو كان في موضع شمسنا لكانت أرضنا داخلة في جوفه بعيدة، من سطحه ملايين الملايين من الأميال، والنجوم وهي شموس تختلف في إشعاعها فبعضها ترسل أشعة قاتلة لا تصيب شيئا حيا من حيوان أو نبات إلا أهلكته، بل لا يكمن وجود الحياة معها، وبعضها تعطي أشعة ضعيفة أقل من أشعة شمسنا بكثير جدا فلا يمكن الحياة معها.

ولو أن شمسنا ترسل نصف الأشعة التي ترسلها فقد لجمدنا من شدة البرد، ولو أنها ترسل أشعتها خمسين في المائة زيادة على ما ترسله الآن لصرنا رمادا منذ زمان بعيد هذا إذا أمكن وجودنا بالمرة على شكل ذرة الحياة الأولى التي تسمى عند علماء الحياة بروتوبلاسما، فالأشعة التي ترسلها شمسنا موافقة بالضبط لما تحتاج إليه حياتنا لا تزيد ذرة ولا تنقصها، وهي واحدة من بين ملايين الشموس التي لا تصلح لحياتنا.

أقول فمن الذي جعل أشعة هذه الشمس مطابقة لما تستلزمه حياتنا لا زيادة ولا نقص، أليس هو العليم الخبير؟ (وسخر الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار).

وقد بعجت الأرض في إحدى زواياها عند الدرجة الثالثة والعشرين، وهذا هو الذي نشأت منه فصول السنة الأربعة، ولولا ذلك لكان القطبان في غلس دائم، والغلس هو اختلاط النور بالظلام كما يكون الأمر بعد طلوع الفجر، وحينئذ لا تصل أشعة الشمس إلى القطبين أصلا، وفي هذه الحال تنشأ جبال هائلة من الثلوج والمياه الجامدة وتؤثر في البحور المحيطات فتضطرب وينشأ عن ذلك ضرر عظيم لسكان الأرض.

أقول وفي ذلك برهان ساطع على أن الله قدر الأرض قبل خلقها، ثم خلقها طبقا لتقديره وجعلها على نظام دقيق صالح لحياة العباد على أحسن حال فتبارك الله أحسن الخالقين.

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه الواحد

فماذا يقول الشاك وماذا يقول المشكك في هذه الأدلة القاطعة؟ أيتجزأ أن يدعي أن ذلك كله وقع على سبيل المصادفة رمية من غير رام؟ أن تجرأ على هذه الدعوى يكون قد خرج عن دائرة العقل والإنصاف واتصف بالوقاحة والمكابرة لئلا يقيم العقلاء له وزنا.

والقمر يبعد عن الأرض بمائتين وأربعين ميلا، ومع ذلك فإن المد الذي يقع في البحار مرتين في كل يوم يذكرنا بتأثيره في الأرض، ويبلغ ارتفاع الماء في المحيطات بسبب المد ستين قدما في بعض الأماكن.

وللمريخ قمر صغير لا يبعد عنه إلا ستة آلاف ميل، ولو أن قمرنا كان قريبا من أرضنا بأن كانت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٤٣