دعوة الحق، س.3، ع 5 /أكتوبر 1960 .................. ص 03
دواء الشاكين وقامع المشككين
للدكتور تقي الدين
-2 -
قال الله تعالى: «يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فرشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون».
العبادة غاية الحب في غاية التذلل، ولا يستحقها غلا الله عز وجل لأنه الخالق الرازق الذي تفضل علينا بنعمة الإيجاد والإمداد، ولها اعمل وأقوال تدل عليها، فأعظمها الدعاء وهو طلب جلب النفع أو دفع الضر، ومنها الاستغاثة والاستعانة والتوكل في ما لا يقدر عليه إلا الله كإنزال المطر وشفاء المريض وكشف سائر الأضرار إذ هو الذي مهد لنا الأرض وجعلها فراشا صالحة لأن نسكن فيها ونسير في مناكبها في برها وبحرها وجوها وجعل السماء سقفا محيطا بنا حافظا لنا وأنزل المطر من السماء فأخرج به لنا من أنواع الثمرات ما لا يأتي عليه الحصر ولا يحده وصف.
والآن ننظر ماذا في السموات والأرض من الإسرار والعجائب والحكم لنزداد علما ومعرفة وعظيما للواحد الأحد.
قال علماء الفلك أنه إلى حد الآن لم يتحقق عندهم أن الحياة بأي نوع من أنواعها موجودة في أي جرم من الإجرام السابحة في الفضاء ما عدا هذه الأرض التي نعيش فيها، قالوا أن عطارد لا يمكن وجود الحياة فيه لأنه لا يواجه الشمس منه إلا جانب واحد من جانبيه، وهذا الجانب لابد أن يكون صحراء حامية كالأتون، وهو الفرن الذي يصنع فيه الخزف، والجهة الأخرى جامدة شديدة الزمهرير ولا يوجد فيه هواء، وإن وجد شيء منه فإنه غير مستقر بل هو في عصف مستمر يندفع من جانب إلى جانب.
وأما الزهرة فإنه يحيط بها ضباب وبخار وجوها ثخين لا يصلح للحياة بأي شكل من أشكالها.
أما المريخ فهو الكوكب الوحيد الذي يمكن أن تكون فيه حياة كأرضنا، إما في بدايتها أو في أول ظهورها وتميزها، لكن الحياة في المريخ إن كانت موجودة فلابد أن نعتمد على غاز آخر غير الأكسجين والهيدروجين، لأن هذين يظهر أنهما لا يوجدان فيه، وجوه غير صالح للنبات على الوجه الذي نعرفه.
أما القمر فلا يمكن أن يمسك الهواء وهو الآن غير صالح لأن يكون مسكونا، لأن ليله شديد البرد إلى حد يستحيل أن يعيش فيه حيوان أو نبات، وأما نهاره الطويل فهو في غاية الحر.
وأما الأجرام السماوية الأخرى فهي بعيدة من الشمس فلا يمكن أن توجد فيها الحياة بأي شكل من أشكالها فتبين حسبما نعلم أن الحياة لا توجد إلا في أرضنا، ولم تكن في أول خلقها صالحة لوجود الحياة فيها فقد مضت عليها أطوار استغرقت بليونين أو ثلاثة من السنين قبل أن تكون صالحة وملائمة لوجود الحياة حياة النبات والحيوان ثم توجت بإيجاد الإنسان الذي هو السيد المتصرف فيها بإذن الله، والأرض تدور على محورها مرة في كل أربع وعشرين ساعة أو بمقدار ألف ميل في كل ساعة، فلنفرض أنها تدور على محورها بسرعة مائة ميل في الساعة، فحينئذ تكون