صحيح أن التفكير والابتكار حق مشاع بين سائر البشر، وقد أسهمت فيه سائر أمم الدنيا بسهم وافر أو ضئيل، ولكن معرفتنا -وخصوصا معرفة المربين منا- بابتكارات أمتنا، يقوي فينا روح الابتكار، ويبعث ناشئتنا على الاعتزاز بماضينا الحافل، ولا يجعلها غريبة في هذا المجال.
وفي مقال «المسجد خلية اجتماعية» يعرض الأخ الأستاذ عبد الكريم غلاب تجربة ناجحة تمت في بيروت، جعلت من المسجد، علاوة على مهمته الدينية، خلية اجتماعية، تسهم بنصيب موفور، في خدمة المجتمع الإسلامي، ويتمنى أن يحذو المغرب حذو هذه التجربة التي برهنت على نجاحها في بيروت.
والاقتراح جدير بالعناية؛ فقد كان المسجد وما يزال هو الخلية الأولى التي التأم فيها شمل المجتمع الإسلامي، وقد كان المسلمون عندما يمصرون الأمصار، ويخططون المدن، يجعلون المسجد هو مركز الدائرة، تحيط به الأحياء الإسلامية، وترتبط به، وعنه تتفرع المدينة وتتوزع البيوت، وكان المسجد في نشأة الإسلام وبعدها بكثير مركزا للحكومة الإسلامية، فيه أو في قريب منه تقام الأحكام، وترعى مصالح الخلافة، كما كان في كثير من الأحيان مقرا لخزينة الدولة ذاتها.
وبقي بعد هذا على وزارة الأوقاف أن تبرز هذه التجربة الحية إلى حيز الوجود.
وفي مقال «إلى الشبيبة المغربية» نصيحة حارة صادقة قد جاءتنا من مفكر عميق غريب عنا، لقد اهتزت لها نفسي، وأحب أن ألفت إليها نظر بعض «التائهين» عن أنفسهم وحقيقتهم، الذين دفعهم التيه إلى أن يلتمسوها في عقائد ومذاهب لا تنكشف لهم في نهاية الأمر إلا عن فراغ وأي فراغ!
إنني أصرخ مع الأستاذ بيير بوتي: «إن السعيد من آمن بعقيدة رائعة، وكان على دين كالدين الإسلامي الإنساني الذي يحقق للشبيبة المغربية أعمق مطامحها وأسماها، عقيدة يستمدون منها السر الذي يهيئ لهم العمر الروحي المديد، إنها ينبوع الحياة المادية الصافية».
وفي البحث القيم الذي كتبه الأستاذ فؤاد نجم عن «الحياة والخلق عند برجسون» دراسة مستأنية لمذهب التطور الخالق الذي ابتكره برجسون، وهو عرض أمين وواضح لأصول هذا المذهب، الذي نلمح في تعبيراته واتجاهاته نوعا من فكرة «الحلول والاتحاد» التي نحاها بعض متصوفة الإسلام مثل محيي الدين بن عربي والحلاج.
وقيمة برجسون ليست في الغاية التي وصل إليها، بقدر ما هي في الأسلوب الذي سلكه لإدراكها؛ ذلك أن معرفة الغاية من الوجود، بله معرفة الله لا سبيل إليها إلا بالنبوة وإرسال الرسل، وستبقى تجربة «الغزالي» في هذا المجال فريدة في نوعها.
لقد حطم برجسون التفكير الميكانيكي وأنقذ القيم التي أطاح بها المذهب المادي، وبذلك فسح المجال أمام «الروح» لتدرك سر الله، بواسطة التجربة الشخصية، و «الطرق إلى الله -كما يقول ابن خلدون- عدد أنفاس الخلائق».
وفي مقال الأستاذ الحسين وجاج «أين التعريب» ومقال الأستاذ أحمد العدوي «التعليم الإسلامي ومشروع السنوات الخمس» دعوة حارة طالما رددها المشفقون على استقلالنا، دون أن تجد لها صدى. لقد طردنا الاستعمار من أرضنا، ولكن بقي علينا أن نطرده من قلوبنا وأفكارنا، تلك هي الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها.
إن الحماس لا ينقصنا لتعريب إدارتنا وتعليمنا وتوحيد مناهجنا الدراسية، وسنبقى نلوك الكلام في هذا الموضوع في انتظار تهيئ الوسائل، وستمضي السنوات تلو السنوات ثم نجد أنفسنا ما زلنا في أول الطريق، في حين أن الأمر لا يتطلب إلا البدء في العمل ولكن من سيقدم عليه؟ إن الإحجام الذي تلقاه الاستجابة لهذه الدعوة يحملنا على القول بأننا أمام مؤامرة!.
وفي مقال «البلاغة العربية بين الفن والفلسفة» للأديب الحاج الحريزي خلاصة لتاريخ البلاغة العربية تعطي صورة مهزوزة عن نشأتها وتطورها، وفي الأحكام التي أصدرها الباحث على اتجاهات كثير من مؤلفي علم البلاغة كثير من الابتسار. والموضوع ما يزال في حاجة إلى الدراسة المتأنية لمدارس «فن القول» في الأدب العربي، وتتبع مراحل تطورها منذ أن «قننت العلوم» إلى الآن، ولا يغني في ذلك إرسال القول على عواهنه، ووضع الحدود الفاصلة القاطعة بين المذاهب المختلفة في تعقيد «فن القول» وتعيين الدخيل منها والأصيل