الشعر الذي قلدوا فيه الشعر العربي بأوزانه وموضوعاته وقوافيه لا يمكن أن تقارن بنهضتهم في النثر. وما أدخلوه من تجديد بسيط في الأوزان لا يمكن أن يخرج شعراءهم عن عمود الشعر العربي.
كما أن نثرهم لا يقاس إلى شعرهم، ولا نستطيع من أجل ذلك أن نصفهم بالتبريز فيه.
والخلاصة أن الأدب الفارسي نشأ في أحضان الأدب العربي وتأثر به، وبرز في ميدان الشعر ولم يبرز في ميدان النثر.
وإن الأدب العربي قد تأثر بالأدب الفارسي، ولكن حتى الآن لا نستطيع أن نقول إن هذا التأثر قد فاق تأثر الأدب العربي بالأدب اليوناني، بالمعنى الواسع للأدب الذي يشمل جميع مناحي الفكر والعاطفة.
وفي مقال الأستاذ محمد محيي الدين المشرفي «أثر الحرية في تربية الطفل» مقارنة بين ما دعاه «التربية التقليدية» و «التربية الحديثة» وأثر كل منهما في تربية الطفل؛ فبينما كانت الأولى تقسو على الطفل وتعامله بشدة تبلغ مبلغ القمع والكبت، الأمر الذي يطفئ فيه شعلة الحرية ويجعله ضعيف الإرادة ضحل الشخصية، إذا بالثانية تترك الحرية للطفل للتعبير عن ذاتيته وإرادته، وتكوين شخصيته المستقلة المتميزة.
وقد فسر الباحث كلا من الاتجاهين، وأوضح أثر البيئة والظروف في كل منهما، حيث أرجع التربية الحديثة إلى سيادة النظم الديمقراطية وانتشارها وإيمان الناس بها، الأمر الذي انعكس أثره على معاملة الطفل فحرره من الشدة والقسوة، وفسح لحريته المجال، وجعل المربين يركزون اهتمامهم الأول على تهيئة الظروف له للخلق والابتكار وتفتح الشخصية.
ثم يختم البحث بنظرة نقدية حول تطبيق مبدأ حرية الطفل في المدرسة وضرورة الملائمة بين بيئة الطفل داخل المدرسة وبيئته في المجتمع، والتزام سياسة (الوسط) دون إفراط ولا تفريط.
والملاحظة التي لي على هذا البحث المركز هي ملاحظة عامة توجه لمعظم باحثينا الذين يتناولون المقارنات بين العصور الوسطى والعصر الحديث بصفة عامة فيعممون أحكامهم، متناسين أن ازدهار الإسلام وترعرع حضارته إنما كان في العصور الوسطى بالذات، ولا ينكر ما أتى به الإسلام من أنواع الابتكار العلمي والفكري والأدبي والتربوي في هذه العصور، وما كان له من أثر في تقدم البشرية وتحريرها.
وقد كنت أود قبل أن يرجع الباحث الفضل في الدعوة إلى التربية الحديثة بالنسبة لحرية الطفل إلى مونتاني وروسو ومونتسوري وغيرهم أن يلقي نظرة على تاريخ التربية في الإسلام، إذن لوجد أن المفكرين المسلمين قد سبقوا إلى ابتكار هذا المبدأ والمناداة به قبل قرون.
ويكفي أن يستعرض التربية عند محمد بن أبي زيد وعند القابسي، وأمثالهما من قدامى المسلمين الذين ألفوا منذ قرون في آداب المعلمين والمتعلمين ليجد أنهم قد سبقوا إلى تقرير هذا المبدأ، مبدأ حرية الطفل ومراعاة شخصيته الإنسانية.
وإني لأ نقل هنا هذا التحليل الرائع الذي يحلل به ابن خلدون في «المقدمة» أثر الشدة في تعليم الطفل، ليدرك الباحث الفاضل مصداق ما نقول:
«وإن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره في ذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فارتكس وعاد في أسفل السافلين ... إلخ».
هذا مذهب من مذاهب مفكرينا في التربية بالنسبة لحرية الطفل، أفلا يكفي هذا وحده لأن يجعل لصاحبه مكانا في تاريخ التربية؟ فكيف إذا قلنا إنه هو نفسه مسبوق بهذه الأفكار «الحديثة» من غيره التربويين العرب والمسلمين؟.