تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بمجرد الاستناد إلى بعض الظواهر الجزئية، وبخاصة إذا علمنا أن تاريخ فن القول يرتبط ارتباط وثيقا بتاريخ تدوين العلوم عند العرب، يتصل بمدى الاتصال الفكري الذي كان منذ القدم بين العرب وبين غيرهم من الأمم مثل الفرس واليونان، وبالأخص، بعد اتساع الرقعة الإسلامية واحتضان الإسلام لكثير من الثقافات التي امتزجت به وامتزج بها، وتأثرت به كما تأثر بها.

وفي ديوان «دعوة الحق» تضمن العدد بضع قصائد فدخل في «أدب المناسبة» الذي عرضنا له في مطلع هذا الاستعراض، وهي تتميز بما تميز به هذا النوع من النتاج، فلنمسك عن تكرار القول فيها، ونكتفي بالتنويه بنبل العاطفة التي أملتها.

أما قصيدة العدد بحق فهي «صهيون والمشردون العرب» لبولس سلامة، ففيها تعبير شعري غني بصوره وأخيلته، عن مأساة فلسطين التي تهز ضمير الإنسانية الصادقة.

وتأتي بعدها في التعبير الشعري الجميل قصيدة الشاعر الديبلوماسي عمر الأميري عن «الكعبة» التي يجردها من ماديتها حتى تصبح عمودا من نور يتجه إليها المسلم بقلبه وبصيرته قبل أن يتجه إليها بعقله وبصره، فتشف عن نور اليقين متألقا لماعا.

وتنم «صرخة الجزائر» لأبي عبد الله صالح الجزائري عن انطلاقة شعرية ما تزال تبحث عن قالبها الرصين، ولكنها من غير شك تنطوي على معنى الشعر، وعلى طاقة ستتفجر في لحن جميل عندما يتخلص الشاعر من قيود النثر التي ما تزال تسيطر على تعابيره مثل «يقتضي العصر أن أكون طليقا» و «إنها تجربات قرن ونصف».

أما قصة العدد «أمام الموت» للأديب الألماني هورست غرنوالد فهي تصوير رائع دقيق لتجربة إنسان في لحظة من اللحظات النادرة، لحظة مواجهة الإعدام ثم النجاة منه، وبالأخص إذا كان المرء الذي عانى هذه التجربة هو الأديب الروسي الأشهر «ديستوفسكي».

لقد وفق القاص الألماني في تصوير هذه اللحظة تصويرا دقيقا، لدرجة أني كنت أتابعها، وفي ذهني «ديستوفسكي» مجسما بعمق إحساسه وإنسانيته وروحه الشفافة، حتى إذا أتيت على نهاية القصة تحقق حدسي بهذه النهاية:

«ولما كان المحكوم عليهم قد أخذوا يسيرون ببطء عندما اقتربوا من منعرج الطريق شاهدوا أولهم الذي كان أقربهم ميعادا مع الموت، وهو يسير أمامه، فلم تعد ركبتاه ترتعشان، عند ذلك تذكر الكلمات التي سمعها: «إن صاحب الجلالة القيصر قد أصدر عفوه عن فيودور ميكايلوفيتش دوستويفسكي، واستبدل بالحكم عليه بالإعدام، النفي إلى سيبريا لقضاء أربع سنوات سجينا بها» ...

الشهوات والمسرات

يذم الناس الشهوات وينسبون إليها كل ما يكابده الإنسان ويقايسه، وينسون أنها هي أيضا مصدر كل مسراته.

ديدرو

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٢٦