تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى الآن، وعن يقينه الصادق في استمرار هذا الأثر على تعاقب الآماد.

وجماع نظرة الإسلام إلى الطبيعة -كما يستخلصها الأستاذ الجليل كاتب المقال- هو أنها أثر من آثار الله جل علاه، سخرها للإنسان، لينتفع بها ويستخرج كنوزها، دون أن يتعبدها أو يرهبها، وبذلك تحرر الإنسان -عندما آمن بوحدانية الله- من الخوف من الطبيعة، فانفتح أمامه مجال السيطرة عليها كما انفتح أمامه مجال الاختراع، واستنباط القوانين التي تحكم الكون وتمهد للإنسان أن يكون خليفة الله في الأرض.

ثم يربط عالمه هذا الذي سخره له الله، بعالم الغيب الذي سيؤول إليه «حيث تتجلى التبعة الإنسانية في أجلى صورها وأدق آثارها».

ولقد غيرت نظرة الإسلام هذه وجه التاريخ حيث تميزت بواقعيتها وفعاليتها في نفس الوقت، فهي ليست نظرة مادية صرفا ولا روحية صرفا، ولكنها تتميز عن نظرة الماديين والروحيين في آن واحد.

إنها نظرة متحررة من خرافة العصور السالفة وخيالات المذاهب العقلية والفلسفية، وآثارها في سلوك الإنسان وسير الحضارة لا تنكر.

وكم كنت أود لو أضاف الأستاذ المبارك إلى الجهد الذي بذله في تنسيق نظرة الإسلام إلى الوجود في عالم الشهادة جهدا آخر في توضيح عالم الغيب وعلاقة الإنسان به، والأثر الذي يعكسه الإيمان بهذا العالم في سلوك الإنسان وعمله، لتستكمل بذلك نظرة الإسلام إلى الكون بصفة شاملة.

وفي مقال «التربية الدينية أساس فلاح الأمة» استعراض لأثر العقيدة في نهضة الأمة العربية وازدهارها. لأثر العقائد سواء كانت شرعية أو وضعية في قيام الدول وبناء الأمم شيء لا ينكر، وقد أوجز فيه القول كاتب المقال الفاضل، واكتفى بأن تخلص منه إلى الدعوة لإقامة الصلاة بوصفها عماد الدين، في معاهد التعليم المغربية، وهي دعوة يشكر عليها، لما فيها من تقوية الوازع الديني، وتعويد ناشئتنا على المبادئ الإسلامية، وإن كنت لا أحبذ طريقة استعمال القوة في هذا الشأن، وأفضل الاستعاضة عنها بالإقناع وضرب المثل الصالح.

وفي مقال الأستاذ محمد بن تاويت «تأثر الأدب العربي بالفارسية» يخالف الكاتب أستاذنا الدكتور طه حسين في رأيه الذي يقول: «إن الأدب العربي لم يتأثر بالفارسية بمقدار ما تأثر باليونانية».

ويبني مخالفته على ملاحظتين: الأولى يحاول أن يثبت فيها أن الأدب العربي كان في تأثره بالفارسية أسبق وأمتن، والثانية إلى إثبات أن الأدب الفارسي عندما تجدد بعد الإسلام لم يقتصر على الشعر، وإنما تجاوزه إلى النثر الفني كما انه لم يقتصر على أوزان الشعر العربية بل استنبط أوزانا أخرى.

وتعقيب الأستاذ ابن تاويت مركز جدا، في حين أن الموضوع يستدعي استفاضة في البحث، والمسألة في نظري ليست مسألة الألفاظ الفارسية التي دخلت إلى العربية، فليست هذه وحدها المقياس الذي نعرف به مدى تأثر الأدب العربي بالفارسية، بالنسبة لتأثره باليونانية، ولو استعملنا هذا المقياس لجردنا الفارسية من نصف معجمها على الأقل، إذ يرجع في أصله إلى العربية، ولكن المسألة أوسع من ذلك بكثير، وتتجلى في تأثير التفكير والأسلوب والأخيلة والصياغة وسائر مناحي العقل والعاطفة والتعبير عنهما.

وقد تضمنت الملاحظة الأولى للأستاذ ابن تاويت شقين؛ أن تأثير الفارسية في الأدب العربي كان أسبق، وقد حاول أن يقيم الدليل على ذلك بما ورد من ألفاظ فارسية لدى بعض شعراء الجاهلية، وذلك غير كاف لأن الأدب الجاهلي قد ضاع أكثره، بل المسألة تتوقف على إثبات أن الاتصال بين الأدبيين العربي والفارسي كان أسبق لا يسهل الوصول إليها، علاوة على أن التأثر -كما أوضحنا- لا يتمثل في استعارة الألفاظ فحسب، وإنما يتمثل في الفكرة والأسلوب والخيال، وهذا ما يسهل إثباته بالنسبة لتأثر الأدب العربي باليونانية، ويستطيع الباحث أن يجد له أمثلة كثيرة في شعر ابن الرومي وأبي تمام ونثر عبد الحميد الكاتب وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.

أما الشق الثاني من الملاحظة الأولى -وهو أن تأثر الأدب العربي بالفارسية كان أمتن- فقد مر عليه الكاتب مر الكرام، ولم يوضح مظاهر هذه المتانة.

أما الملاحظة الثانية فلم يأت عليها الكاتب بحجج مقنعة، وهو لا يستطيع أن يكابر في أن نهضة الفرس في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠٢٣