تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكم كان يرى بأن أسعد الأيام وأخلدها لهي تلك التي يقضيها المواطن خادما لبني قومه، مدافعا عن الحرية والديموقراطية والكرامة، ومقاوما الظلم والظالمين مهما كان مصدر هذا الظلم، ومهما كانت قوة هؤلاء الظالمين.

ومن أجل أداء هذه الرسالة كان يأكل ليعيش ويقلق من أية فكرة تجسم له مغادرة هذا العالم في موكب حزين عقب مأساة مهولة فاصلة، وكان يقاوم بكل سلاح تلك الفكرة المزمنة السوداء ويحاول إزاحة كابوسها عنه، وطرد شبحها عن مخيلته كلما عاودته، وكلما حاولت الاستبداد بعقله وقلبه وتعريضه لهواجس الأوهام.

ولم يلبث أن أنقطع حبل هذا التفكير وزال عنه هذا التشاؤم عندما شعر باقترابه من مكان آهل بالسكان، وخفف من دوران العجلات، وضاعف هذا التخفيف عند ما لمح الرقم الستين داخل دائرة عريضة حمراء، ودقق الانتباه عندما قرأ بوضوح: «بوزنيقة».

ولم يكد يعبر هذه القرية الصغيرة، ولم يكد يلمح علامة انتهاء تحديد السرعة، حتى عاوده جنون الانطلاق.

واشتد دوران المحرك، وأطلقت السيارة عجلاتها للريح، وأخذت تعدو وتعدو كأنها منهمكة في خوض غمار سباق دولي جاسم للفوز ببطولة العالم!

وزاغ عن الجادة، وهاله ما رآه إمامه من عمود كهربائي سميك، ومن صخرة مجوفة مسننة، ومن شجرة قوية مسنة، وكادت مقلتاه تقفزان من محجريهما، وكاد الدم يجمد في شرايينه، وكاد صوابه يضيع، وكادت أعصابه تصاب بانهيار كبير!

وبدافع إحساس غامض أبعد قدمه اليمنى عن موزع الوقود، وبانتفاضة رأسه انتفاضة حادة خاطفة عاد إليه وعيه، فأمسك حلقة القيادة بيدين من حديد، وبذل كل ما في طاقته من جهد للتخفيف من حدة الاضطراب واختلال التوازن.

وتمتعت السيارة بكامل حريتها في الاندفاع، وانطلقت كالصاروخ، وكان من العبث والجنون القيام بأية محاولة لإيقافها!

وفي أقل من لمح البصر، وبسرعة خارقة بلغت الجسر، وحلقت في الفضاء، مارة بأعالي الأشجار، وهوت من علو شاهق إلى قعر الوادي السحيق، ورددت الروابي الدوي الهائل لانفجار العجلات!

لقد التقى مع الموت في تلك اللحظات المخيفة، وانتظر بهلع كبير ضربة القدر القاسمة ورسم ريشته المبدعة الصورة المنتظرة لنهاية حياته.

كان ينتظر ببالغ اليقين أن يدك الاصطدام عظامه ويحيلها إلى رميم، وأن تخترق نصال الزجاج صدره وتفصل رأسه عن جسده، وترسله توا إلى عالم الفناء.

كان ينتظر ببالغ اليقين انفجاره مستودع الوقود، وتصاعد النيران واحتراقه داخل الحديد الملتحم دون أن يجد سبيلا للخلاص.

كان ينتظر ببالغ اليقين الارتطام العنيف بصخرة صلبة شامخة تجعل منه أشلاء متطايرة في الفضاء أو أجزاء متناثرة فوق صفحة الماء!

كل هذه الصور المثيرة شاهدها أثناء الفترة القصيرة المفزعة التي قضاها بين انحرافه عن الطريق وبين القذف به وبسيارته إلى أسفل الوادي، فترة الرعب القاتل الذي كان وحده كافيا لإخماد أنفاسه قبل أن يعلم ما سيؤول إليه من مصير!

وشاءت عناية السماء أن تتبخر كل هذه الأوهام وتذهب أدراج الرياح، وشاءت رحمة الله أن تدرك عبدا ضعيفا عندما ساقت السيارة بعيدة عن كل العوارض المميتة وألقت بها بين أحضان الحصى والأوحال، وعندما جعلت صاحبنا يهتز في مكانه اهتزازا عنيفا دون أن يصطدم بشيء، ودون أن يصاب بأي أذى، ودون أن يمس ولو بجرح بسيط!

ولم يصدق أنه لا زال على قيد الحياة عندما امتدت يده لفتح الباب، ولا عندما استطاع التسلل والاستواء شبه واقف فوق سطح مقدمة السيارة، ولا عندما قفز إلى ضفة النهير ليتجنب كل ابتلال!

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠١٩