تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 71

قصة مغربية: رقصة الحظ ...

للأستاذ محمد مهدي السعداني

اعتاد قضاء عطلته الأسبوعية خارج العاصمة، ولم تكد الساعة تشير إلى الثانية عشرة، ولم تكد تمر على مغادرته لمكتبه سوى بضع دقائق، حتى كان يشق طريقه نحو أحب مدينة إلى نفسه.

كانت السيارة تنهب الطريق تحت سماء المغرب الصافية الأديم، وشمس مارس الدافئة المنعشة، و كان تشاؤمه وانفراده يحرضانه على الاستعجال للتخلص من وحشة الآلام التي تضنيه، ولربح أكثر ما يمكن من الثواني، كانت اللحظة عنده تساوي الملايين.

وفي غمرة هذا السباق مع الزمن عاودته فكرة طالما استبدت بعقله وقلبه، وطالما حاول اعتبارها وهما عابرا، وطالما حاربها بكل سلاح.

فكرة مزمنة قاتمة كانت تعاوده بين حين وآخر وتجعله يعيش تحت عذابها المرير، عذاب انتظار ساعة رهيبة ستعصف بحياته خلالها أقسى وأفظع فاجعة ستحل بإنسان!

ولم يحارب هذه الفكرة السوداء خوفا من الموت ولا حبا في البقاء، وإنما كان يقلقه أن يغادر هذا العالم قبل قيامه بأداء رسالته في الحياة:

كان يعشق الحرية منذ صباه ويستميت في الدفاع عنها متحملا في سبيلها أشد أنواع الغربة والتعسف والاضطهاد.

وكان إيمانه بحرية العقيدة يبلغ درجة قصوى من المتانة والقوة، وازدراؤه للمساومة فيها يثير في نفسه غضبا من الحدة والعنف بمكان.

ومما زاد هذا الإيمان قوة، وذلك الحب رسوخا ما رآه في بلاده من جبروت المستعمرين، وما يراه -خلال هذه الفترة الحاسمة- من تطاول على الفضيلة والعدالة والمبادئ السامية، واستعمال معاول الهدم لمحاولة القضاء على أعز ما نملك من مثل عليا، وأعظم ما تمتاز به إنسانيتنا من حرية وعقائد ومقدسات.

ولم يكن ليستطيع إيقاف ثورة نفسه كلما رأى صولات للخداع والنفاق، وجولات للانتهاز والإقطاع، وضربات قاسية تكال تباعا للأحرار، وجرائم شنعاء يذهب ضحيتها أبطال مناضلون وشخصيات مثالية من خير ما أنجب وطننا من أبناء.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ٢٠١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ٢٠١٨