ولم يصدق بأن الدماء لا زالت تجري دافئة في عروقه، وبأن القدر كان رحيما بشبابه وحريصا على مساعدته لأداء رسالته في الحياة عندما تحركت قدماه وأخذ يتسلق تلك المرتفعات للوصول إلى ذلك البناء الضخم المنتصب أمامه، إلى ذلك الجسر الشاهق الذي حلق من مطارده منذ لحظات!
وبعد عشر دقائق وصل إلى هناك فلم ير أي إنسان، بل وجد نفسه عند نهاية منعطف مائل طويل ووجد نفسه على بعد مائتي متر من نقطة بداية التدهور!
والتفت خلفه، وأطلق بصره نحو عمق يتجاوز العشرين مترا، فرأى سيارته راسخة هناك وكأنها صخرة رمادية ملساء من صخور الوادي العتيقة! ورأى المياه المندفعة تنفلت من أمامها وخلفها لتواصل جريانها غير عابئة بما يقع في العالم من أحداث!
وابتعد عن الجسر، واستأنف سيره بخطوات وئيدة حائرة، وشعر بالفارق الكبير بين انطلاقة القريب الخاطف، وبين هاته الحركات البطيئة التي تقوم بها قدماه لطي الطريق!
وانتهى من قطع فرسخين كاملين عندما توقف عند النصب الكيلومتري الثامن بعد الأربعين، واخذ يلوح بيمينه للسيارات المارة كالبرق، دون أن يتفضل أي واحد من أربابها بالوقوف، كأنهم جميعهم رجال مطافئ يسارعون لإخماد ما استفحل من لهيب النيران!
ولم تنفتح شفتاه عن كلمة واحدة بعد ما أخذ مكانه بمقعد سيارة نقل عمومية، وإنما كان مستغرقا في تفكير متواصل الحلقات، التفكير في تلك النهاية التي تنسج الأطماع والأغراض حجابا سميكا بينها وبين الكثيرين فيندفعون في طريق الاستبداد والطغيان ليذيقوا إخوانهم ألوانا من الموت، وألوانا من القمع وأوانا من العذاب؛ التفكير في تلك اللمحة الفاصلة بين عالمين، في تلك الثواني المعدودة التي تحول الإنسان من القوة الطافحة إلى جثة هامدة، فاقدة كل حركة، وفاقدة كل وعي، ومحاطة بسكون أبدي مهيب.
وفي صباح الغد غادر الفندق: وسار في شوارع الدار البيضاء، وبهره كل شيء فيهان وعاه الكثير مما شاهد إلى التأمل العميق في الماهيتين الحقيقيتين للوجود وما بعد الوجود، وجعل العشرات من علامات الاستفهام والتعجب ترتسم على صفحة وجهه، كأنه قدم لهذا العالم زوال أمس، وكأنه قدم إليه يافعا قادرا على خوض معركة البقاء، معركة دنيانا الحافلة بمختلف ضروب الصراع!
وطرق باب منزل أخ عزيز، وكان العناق طويلا، -كعناق شقيقين أبعدتهما عن بعضهما ظروف قاهرة مدة من الزمن- واعترت الدهشة رفيقه في العقيدة والكفاح عند سماعه لقصة حادثه الغريب!
.. وامتطيا معا سيارة خاصة، وبعدما أخذ مكان القيادة لم يضغط هذه المرة بعنف على موزع الوقود -رغم براعته في السياقة ورغم وجوده في طريق مستقيمة خاصة بالذهاب- وإنما كان منطلقا باعتدال ظاهر!
ولم يلبث هذا الاعتدال أن أحدث بعض التضايق في نفس رفقيه، ولم يلبث صاحبنا أن شعر بهذا التضايق وأراد إلى تخفيفه بهذه العبارة: «يقولون: خير لك أن تصل إلى هدفك متأخرا من أن تصل إلى العالم المجهول قبل الأوان»، ونظر كل منهما إلى الآخر وارتسمت على شفاههما معا ابتسامة تحمل أكثر من معنى.
ووصلا ورجال الإنقاذ إلى مكان الواقعة، وجاءت شرطة الطريق، وبدأت السيارات تتوقف- يمينا وشمالا، وبدأ أصحابها يخفون لمعرفة عدد الضحايا وللاستفسار عن سر الحادث، كأنهم يريدون أن يتخذوا منه عظة وعبرة في عالم السياقة والسيارات.
وعلت علامات الدهشة وجوههم حين علموا بعدم وجود أي ضحية، وبأن راكب السيارة الوحيد لم يصب بأي سوء.
وكان من بين المتجمهرين مواطنون مغاربة وآخرون أجانب، وأصيبوا جميعهم بالكثير من الاستغراب، وأخذت أعينهم تنتقل في حيرة وشك بين الراكب السليم وبين السيارة القابعة عند قدمي ذلك الجسر العملاق.
وجعل شيخ مغربي حدا لهذه الحيرة، ولهذا الشك ولذلك الشدوه عندما قال: «حقا إنها لكرامة»، ورد عليه مرافقه الشاب: «بل إنها لمعجزة»!