نقل إلى الخارج ليعرض في أول مؤتمر للمهندسين المعماريين بباريس سنة 1957، وهو الذي شاهد المعروض الدولي في بروكسيل سنة 1958 فكان الوجه المشرق للثار الإسلامية بالمغرب وانهالت آيات التقدير والتهاني على اثر لم يكن وليد اليوم ولكن من عمل صانع مغربي من أوائل القرن السادس الهجري ... واعتقد أنه سيكون في إبراز هذه الخطوط بتمامها سواء منها الرسومات التي تحتوي التاريخ والمؤسس ... أو التي تتضمن بعض الآي والحكم سيكون في إبرازها للعموم أثر قوي على تصحيح الفكرة التي حشيت بها بعض الأدمغة حول الفن المرابطي ردحا من الزمان، ولعل مما ينبغي أن نذكره في هذا الصدد أن ظهور هذه الفنون دعا بالفعل منذ الآن -بعض الذين يعنون بالآثار إلى الإشادة بالشخصية التي ينعم بها الفن المرابطي وإلى تتبع مفاتنها ومفارزها، والمقارنة بينها وبين الفنون التي استطاع التاريخ أن يحفظها للمرابطين في جهات (6) أخرى بل إن في رجال الآثار الغربيين من راح يعلن أن هذه القبة المستطيلة التي تصافحها أعيننا بالقرويين هي من أقدم القباب القائمة على مقر نصات ( Stalactite) ذات أبعاد واسعة (7) ... ولا نترك العصر المرابطي دون أن نقف برهة أمام منبر المرابطين لقد كان من الروعة الفنية والقيمة الأثرية بحيث يكون وحده «عالما» يستحق عناية الآثاريين أنه أفخر أثاث خلفته لنا العصور الوسطى وأنه إلى جانب هذا أروع مثل يحتذى في الزخرف المبني على الأسس الهندسية.
إن الحديث عن نقوش المنبر يتطلب من المرء أن يتزود بمقاييس فنية دقيقة وصائبة ... وهو علاوة على الزخرف المتناسق الجذاب الذي كسا كل جوانبه، طرز بآيات شريفة من العاج الثمين تحيط بمدخله ذاهبة من اليمين إلى اليسار بخط نسخي أندلسي مقروء ... وعلى طول درجه طرز ببقية من آية أخرى بالعاج ولكن الحروف القديم الذي تتحكم فيه الزخرفة فيستعصى أحيانا على مستكشفيه، أنك ستقرأ عن يسار المنبر: «يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا .. » ويدلك على شدة اعتناء المتقدمين بهذه الثروة النادرة المثال أنهم خصصوا للمنبر غشائين أحدهما من الجلد، والثاني من الكتان يزاحان عنه كل جمعة (8) ... وبذلك على ثروته أيضا أن النفقة عليه قدرت بما يزيد على ثلاثة آلاف وثمانمائة دينار أي ما يساوي أزيد من أربعة ملايين، من الفرنكات الحالية (9)، ولقد كان المنبر يحمل على ذروته تاريخ انتهاء العمل فيه (10) لكن هيام المختلسين بالعاج جعلت هذه الأحرف هدفا للضياع وهكذا فلم يبق منها سوى بعض الحروف المنهوكة كما يلاحظ ذلك من تسلق أدرجه التسعة ...
ولنودع العصر المرابطي لنعيش قليلا مع الموحدين: توجد أبواب داخل تنفذ من قاعة الصلاة إلى جامع الجنائز، تعرف هذه الأبواب تحت اسم «أبواب الرواح» ... فيها الباب الأعلى الذي يجاور المحراب والأوسط تم الأسفل، وكل هذه الأبواب من خشب لكنها استحالت إلى لوحات فنية قليلة النظير فهي سلسلة من زهور ورسوم منقوشة، ويمتاز الأعلى من هذه الثلاثة بأن مصاريعه تحتوي عدة آيات وهكذا فستقرأ هناك محيطا بها: إن في خلق السموات والأرض الآيات وستقرأ تحت هذا: «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله» (الآيات)، كما تقرأ «يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا» (الآيات)، وستقف إلى جانب هذا وسط الباب على بيتين على هذا الوزن:
يا واقفا لدي إن أبصرت مني ما ترى
جد بالدعا لصانعي بجاه سيد الورى
ترى أنهم لم يجدوا عنتا ما في التخريم والتطريز ... ولقد كانت هذه «الدفف الحمراء» تحمل اسم
(5) - القرطاس الجزء الأول طبعة المغرب ص 88 - 89.
(6) - ARS orientalis volumes II 1957 : La mosquée d'Alquarawâyin à Fès et l'art des Alinaravides par Henri Terrasse Page 135.
(7) - ARS orientalis volumes II 1957 : La mosquée d'Alquarawâyin à Fès et l'art des Alinaravides par Henri Terrasse Page 143.
(8) - Le Maroc dans les premières années XVIe siècle page 101 - 103.
(9) - القرطاس الجزء الأول طبعة المغرب ص 88.
(10) - زهرة الآس طبعة ... ص 42.