تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالرغم من أنه ظل المسيطر الحقيقي طيلة الفترة «الغامضة» التي عاشتها فاس بعد توزع الأمر بين بني إدريس هذا العاهل هو داود بن إدريس الذي كان عاملا على إقليم تازة من قبل أخيه محمد ... لقد نحت في هذه اللوحة اسمه على النحو التالي: «مما أمر به الإمام أعزه الله داود بن إدريس أبقاه الله ونصره نصرا عزيزا ... » وإذا كنت قد ألحت على إبراز هذا الأثر النفيس فلانة من جهة أول أثر عربي استطاع أن يصمد أحد عشر قرنا في هذه البلاد، ولأنه من جهة أخرى ينطوي على «فتح» جديد في التاريخ المغربي إذ أنه فيما اعتقد سيضطر الذين يعنون بالتاريخ إلى مراجعة القرطاس وابن خلدون والاستقصا فيما نقلوه تباعا عن أيام الأدارسة ... سيضطرهم هذا الأثر الذي لا يصل إلى نصف متر مربع إلى تحبير عشرات الأمتار ... إن عليهم أن يتساءلوا عن الملك داود؟ وعن العاهل الذي بنيت على عهده القرويين هل هو حقيقة «يحيى أو إنما هو عمه داود بن إدريس ... أن أنها ابتدأت على عهد الأول وانتهت على عهد الثاني؟».

وإذا نحن جاوزنا هذه الحقبة من التاريخ فسنجد أنفسنا أمام ثروة هامة وهامة جدا ... ثروة تحدثت عنها الكتب ولكنها ظلت دفينة طوال قرون حتى هذه الأيام ... لقد قام المرابطون في أوائل القرن السادس الهجري بإصلاحات هامة في القرويين -ولو أن أيامهم بالمغرب لم تكن طويلة- ولقد اختفوا من الميدان ومن سوء الحظ أن ظهور الولاة الجدد كان -بدافع الغيرة- عاملا على كتم أنفاس الفن المرابطي الجميل مما دعا طائفة من رجال الآثار إلى الحكم على المرابطين بحسور الذوق وضحالة الإنتاج؛ وبالرغم من أن كتب التاريخ قد عرضت في شيء من الإيجاز لما قامت به أيدي المرابطين من إبداع في البلاط العمودي الذي يمتد من المحراب إلى «العنزة» وبالرغم من أنها رددت صدى «النقش والتخريم وأصناف الصبغة» على حد تعبير القرطاس (3)، فإن سوء الظن بالفن المرابطي ظل حليفا لطائفة من رجال الآثار لدرجة أن بعضهم نسب بعض آثارهم للموحدين، وراح يقارن بين آثار هؤلاء في فاس وآثارهم في مدينة مراكش مثلا (4) ... نعم تقرر منذ عشر سنوات -بإلحاح من مدير جامعة القرويين إذ ذاك- القيام بإصلاح عميق في تلك الجهات من المسجد، وهنا برزت للعيان تلك النقوش، وتلك التخريمات، وظهرت أصناف الصبغة الحمراء والصفراء والبنفسجية ... ولا يهمني -وأنا أتحدث عن المنقوشات- إلا هذه الحروف المنحوتة التي كشفت عن كثير من الأسرار التي استمرت مكتوبة طيلة ثمانية قرون ... لقد عرفنا في كل الكتب التي تحدثت عن تاريخ فاس أن أعمال البناء التي قام بها المرابطون -بما في ذلك جامع الجنائز- تمت (5) سنة 538 لكنا وقفنا من تحت هذه الطبقات من الجبس على وثيقتين أثريتين ... ثم وقفنا على وثيقة أخرى نحتت على باب جامع الجنائز ... وكل هذه الوثائق تؤكد أن أعمال البناء انتهت سنة 531 أي سبع سنوات قبل التاريخ الذي توطأت عليه المؤلفات ... وهكذا ففوق الشماسية الوسطى الموجودة على المحراب عثر على «لوحة كتبت بالخط النسخي» تحمل اسم الفنان الذي باشر عمله هنا (عبد الله بن محمد) كما تضبط (وقت إنها العمل: شهر رمضان المعظم سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة (1137). وإلى جانب هذا تقرأ في الجهة الشرقية من القبة المستطيلة التي تلي قبة المحراب بخط كوفي عتيق وجميل أيضا: اسم العاهل المرابطي الذي أذن بالقيام بهذه الإصلاحات وأعني به السلطان علي بن يوسف بن تاشفين ... وفي الجهة الغربية من القبة المكورة نقرأ نفس التاريخ الذي تحمل الوثيقة الأولى فإذا ما انتقلنا على باب جامع الجنائز سنقرأ هذه الجملة منحوتة على الصفر يمين عروة الباب: «عمل عبد الواحد عام إحدى وثلاثين وخمس مائة» ولا أحب أن أودع هذا الباب دون أن أعيد إلى الأذهان أن هذا الباب هو الذي

(3) - القرطاس الجزء الأول ص 87 طبعة المغرب سنة 1936.

(4) - Les mosquées de Fès et du Nord par Boris Maslow : L'introduction de M.Trrasse page (XI).

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٩٣