دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 45
الحروف المنقوشة في القرويين في خدمة الآثار
للأستاذ عبد الهادي التازي
نص محاضرة قيمة من ضمن المحاضرات التي ألقيت بالمؤتمر الثالث للآثار بالبلاد العربية المنعقد بمدينة فاس فيما بين 8 - 18 نونبر 1959:
- 1 -
عندما يتحدث المرء عن الحرف المنقوش بجامعة القرويين فإنما يحاول أن يتحدث عن تاريخها المعماري عبر التاريخ، ذلك لأنه لم تخل مرحلة من المراحل التي عاشتها دون أن تترك من ورائها أثرا شاخصا يذكرك بهاتيك العصور ... والحقيقة أن القرويين منذ كانت وهي «قديسة مدللة» سواء من لدن رجال «السلطة المركزية» أو من لدن «الطبقات الشعبية» فكلهم كان يتسابق إلى إظهار آيات الإكبار والإجلال لها باعتبارها «المنار» الذي أشع على المغرب نور العلم والإيمان، وباعتبارها المعقل الذي كانت تعتمد عليه البلاد في إعداد رجالها وقادتها ... والكلام على «الحروف المنحوتة» بالقرويين له جوانب كثيرة فهناك جانب الفن ... وهناك جانب النوع والشكل، وهناك أيضا جانب «القيمة الأثرية» ونحن في هذا البحث سنحاول أن نأخذ نظرة عن هذه الجوانب سيما وقد ظلت النقوش بالقرويين حديثا يروى ولكن من غير أن يستوعب، بل ومن غير أن يتناوله الأثريون بالتنقيب والتحميص ..
أول خط منحوت
ويرجع تاريخ أول خط منحوت عرف بالقرويين لأواسط القرن الثالث الهجري ويتعلق الأمر بلوحة أثرية ووثيقة تاريخية في الوقت نفسه عثر عليها في القبة الرابعة من جهة «العنزة» أي في منتهى «البلاطات الأربعة» القديمة (1) ... لقد اكتشفت مدفونة في الجبس تحت كثافة سبعة سنتيمات ... مكتوبة بالخط الكوفي العتيق وهي -ولو أن طائفة من حروفها منهوك ومتعب بيد أنها مقروءة في الجملة ولم يفت منها إلا القدر اليسير- لوحة من طول أربعة أمتار وأربعة وسبعين سانتيما ولكنها ليست عريضة إذ أن سعتها لا تتجاوز تسعة سانتيمات ونصف لقد عرفنا من كتب التاريخ أن فاطمة الفهرية التي تطوعت ببناء القرويين حفرت أساسها ف يفاتح رمضان 245 وأنها لم تزل صائمة إلى أن انتهت أعمال البناء ولم يستطع أحد من المؤرخين أن يتكهن بالفترة التي انتهت فيها تلك الأعمال ... وتحدثت كذلك على أن العمل كان يباشر بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول ولكن أحدا لم يردد صدى عاهل آخر من بعده كان له النصيب الكبر في هذا المشروع ... بل إن جميع المصادر التاريخية التي تحت أيدينا لم تتعرض لهذا العاهل الثاني إلا في سطر واحد لا يتجاوز عشرة سانتيمات (2). هنا ندرك القيمة الأثرية والتاريخية كذلك التي تنعم بها هذه «اللوحة» فهي أولا تحمل انتهاء العمل في المسجد أعني «شهر ذي القعدة من سنة ثلاثة وستين ومائتين» فتكون أعمال البناء استغرقت ثمان عشرة سنة ... واللوحة تحمل ثانيا سرا آخر يفوق الأول في الخطوة ذلك أنها تنصف عاهلا إدريسيا مرت عليه الكتب مرور الكرام
(1) - القرطاس الجزء الأول طبعة فاس صفحة 77.
(2) - القرطاس ص 71 - ابن خلدون الجزء 16 طبعة دار الكتب اللبناني ص 27 - الاستقصا الأول 179