تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإسلام ولم يعرفها الإسلام ولم تكن يوما وليدة هذا الدين ولم تعرفها طبيعته ولكننا تلقفناها تلقفا كالببغاء وحاكيناها محاكاة كالقردة ولم نحاول أن نفتش عن أصلها ونشأتها ولا أن نعرف مصدرها وموردها.

أما في ميدان الثقافة فطالما رددت الألسنة: إن اللغة العربية عاجزة عن مسايرة العصر مع أنها كانت لغة العلم يوم كانت اللاتينية معدومة.

وفي ميدان السياسة كثيرا ما سمعنا أن المغرب بحكم وضعه الجغرافي يجب أن يتجه على الغرب وأنه لا فائدة في اتحادنا مع أشقائنا العرب والمسلمين.

هذه بعض مظاهر الاستعمار الفكري ولا شك أنها خطيرة على مستقبل وطننا يجب أن نحذر منها ومن آثارها، لأنه لا استقلال لأمة إلا إذا تحرر أبناؤها من بقايا الاستعمار كيفما كان لونه وإلا إذا طهروا عقولهم وأفكارهم من تلك الرواسب العميقة التي بث الاستعمار سمومها من طريق مباشر أو غير مباشر وأصبحنا -مع كل الأسف- نرى آثارها متجلية إلى اليوم.

إن استعمار العقول معناه خروج المحتل من البلاد وبقاء جيشه المختفي بين ظهرانينا ينخر هيكلها من حيث لا نشعر، ويسبب لحكوماتها المشاكل ويخلق لها العراقيل لاختلاف وجهات النظر بين أبناء الأمة الواحدة وقادة الشعب وأنصارهم، ولذا يجب توحيد الصفوف، توحيد الأفكار، توحيد الاتجاهات بين أبناء الأمة داخل المصلحة العليا للوطن، فليس هناك من تثقف ثقافة قومية وآخر درس لغة أجنبية، هذه تفرقة خلقها الاستعمار لتشتيت قوى الشعب، وإنما هناك شباب مغربي تجمعه رابطة الأخوة الدينية وآصرة المصلحة الوطنية ووشائج المبدأ، وعلاقات الأهداف المشتركة. ويجب أن نخلق بين جميع عناصر الشباب تجاوبا فكريا وروحيا وثقافيا ونكون من الجميع طاقات هائلة تنطلق إلى البناء والنهوض والإصلاح.

إن الاستعمار الفكري هو أخطر أنواع الاستعمار على الأمم والشعوب كما قلت آنفا ويتجلى مظهر هذا الخطر في احتقار الإنسان تراث بلاده القومي ورصيده الروحي والمعنوي وتشبثه بالإنتاج الأجنبي واستيراد المبادئ والنظريات وبالتالي فقدان الأواصر الروحية بينه وبين ماضيه وانعدام كل الروابط التي تجمعه مع إخوانه في الدين واللغة والتاريخ والآلام والآمال ويصبح عضوا منفصلا عن أعضاء أسرة الوطن الكبرى التي ينتسب إليها.

ونجاح هذه الأفكار التي عمل الاستعمار على نشرها بشتى الوسائل -تفقدنا مع توالي الأيام شخصيتنا كأمة لها مميزاتها الذاتية وخصائصها التاريخية ومقوماتها الأخلاقية العريقة عراقة هذه الأرض الطاهرة وأزلية هذا الأطلس الجبار، وإلى للاستعمار ومن تأثر بمظاهره المتقلبة وانخدع ببرقه الخلب أن يصل إلى ذلك، فمقوماتنا الذاتية ضاربة أطنابها في جذور التاريخ ومستمدة عوامل بقائها من تقاليد سليمة وعناصر صميمة صمدت لصرف الدهر وإحداث التاريخ فخرجت منها منتصرة مشمخرة الذرى قوية الجانب مهيبة الشوكة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٩١