تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كانت هذه هي مقوماتنا الوطنية فلنعمل على تقويتها وإبرازها ولنحذر من اضمحلالها أو ضعفها، فإن كل أمة اضمحلت مقوماتها الذاتية أو ضعفت روابطها الوطنية إلا وتنهار قوتها المعنوية وينفد رصيدها المدخر ويدب لها الانحلال والتواكل والخذلان وتفقد حلقة الاتصال الملتحمة بين ماضيها وحاضرها وبالتالي تفقد ذاكرتها وتتعرض لأخس أنواع الحكم في تاريخ البشرية: الاستعمار البغيض.

ولذا فإن الاستعمار الفرنسي حينما حاول أن يغزونا بشروره اتجه بمعوله توا إلى هذه المقومات ومعاقلها المنيعة حتى يتسنى له أن يستعمر بلادنا سياسيا واقتصاديا وعسكريا وثقافيا وفكريا.

وإنما توجه إليها بالذات لأنه يدرك أن هذه المقومات لها قوة ذاتية عميقة الجذور في صميم هذا الشعب الأبي وأنها تقف عقبة كأداء في طريق فرض سيطرته على بلادنا، فأعلنها حربا شعواء لا هوادة فيها ولا التواء على كل مقومات وجودنا من دين صحيح ولغة قومية وحضارة وطنية وتاريخ مجيد وعرش عتيد وشخصية مميزة حتى يسهل عليه فرنسة المغاربة بعد أن يكون قد قطع كل الصلات الروحية والروابط الأخوية والوشائج الدينية والأواصر اللغوية بينه وبين ماضيه وبينه وبين أشقائه العرب والمسلمين، ومن ثم لا يعود يفكر في وجوده أو يستمد قوة شخصيته من تاريخه أو يستوحي العزم والإيمان من تراثه القويم أو يجدد بناء هيكله على ضوء تعاليم دينه الكريم، أو يربط علاقاته الجنسية والدموية مع إخوانه في العروبة والإسلام، كل ذلك ضمن خطة مبيتة ومؤامرة مدبرة نسج خيوطها وحبك دسائسها أخصائيون في فن الاستعمار استغلوا ثقافتهم الواسعة واتجروا بأقلامهم الرخيصة وسخروها لخدمة اشر وباعوا أمانة العلم وحقائق التاريخ وشرف المهنة وكرامة الضمير واستهتروا بحقوق الإنسان في سبيل استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

ترى هل نجح الاستعمار في خطته التي سلكها للقضاء على مقومات وطننا؟ كلا، لأن هذه المقومات منحدرة من أعماق تاريخنا ونابعة من صميم مقدساتنا وسارية في دماء أفراد شعبنا ومتغلغلة في شعوره وراسبة في شعوره، ولأن لها من القوة والحصانة ما يجعلها في حرز أمين.

وأكبر دليل على أن الاستعمار لم يوفق في خطته كل التوفيق أن الذين غزاهم بثقافته كانوا من الأعداء الألداء له أصلوه نارا حامية بلغته وخططه ونظمه وكانت لهم مواقف وطنية مشرفة سجلها لهم التاريخ بأحرف من نور، ولكن إحرازنا على هذا الانتصار يجب ألا يخدع أنفسنا ونعتقد أن الاستعمار لم يترك أي أثر من آثاره الفكرية المسمومة، فهناك طائفة تأثرت بدعاياته وأفكاره وأعجبت بها كل الإعجاب مع أن هذه الأفكار ليست متلائمة مع طبيعة شعبنا ولا مع عقائدنا وروحانيتنا كشعب له مميزاته وخصائصه ومقوماته وشخصيته.

وإذا كان الاستعمار السياسي أو الاقتصادي أو العسكري يشكل خطرا كبيرا على الأمة التي ترزح تحت نيره وتكتوي بناره فإن الاستعمار الفكري أبعد أثرا وأشد خطرا من ضروب الاستعمار الأخرى لأنه يتصل بالعقل وبالقلب وبالعاطفة وبالشعور وبالاتجاه في التفكير.

ولقد تجلى أثر الاستعمار الفكري في كثير من الميادين الحيوية وضد عدد من مقوماتنا الوطنية فمن ذلك القول «بأن تشبثنا بالقرآن هو سبب تأخرنا» فماذا يراد من نشر هذه الفكرة الغريبة عن ديننا؟ يراد بها استعمار الأفكار والتشكيك في قيمة تراثنا الروحي الذي تقوم عليه أسس كياننا ووجودنا، حتى إذا تزعزع إيماننا بصلاحية القرآن ولم تعد نفحاته الروحانية تستولي على مشاعرنا وأنظمته تجد من قلوبنا وعقولنا آذانا صاغية غزينا بفكرة أخرى من نوع جديد أخطر من سابقتها وهيهات هيهات، أليس هذا أثرا من آثار الاستعمار العقلي؟.

وفي مجال الحكم أصبحنا نسمع فكرة فصل الدين عن الدولة بمعنى «أن نبعد هذا الدين من حياتنا العملية ليبقى في عزلة لا يحكم الحياة ولا يصرف شؤونها ولا يعالج مشكلاتها. فالدين -كما يقال- صلة ما بين العبد وربه، أما صلات الناس وعلاقات المجتمع ومشاكل الحياة وسياسة المال ... فلا دخل للدين فيها ولا دخل لها بالدين».

من أين جاءتنا هذه النظريات الغريبة على طبيعة الإسلام وعلى تاريخ الإسلام؟ جاءتنا من أوربا نتيجة للاستعمار الفكري الذي غزا بعض العقول، إذن إن قصة الفصل بين الدين والدنيا لم تبث في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٩٠