دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 42
الاستعمار الفكري وخطره على الشعوب
للأستاذ: محمد بن أحمد الأمراني
إن كل أمة من الأمم يرتكز وجودها بقاؤها على دعائم متينة تقف في وجه الأعاصير فلا تمليها وتجابه الأحداث الجسام فلا تزعزعها، تستمد منها عناصر بقائها ومكونات وجودها واستمرار بقائها وحياتها إن هي حافظت على روحها وجوهرها.
وهذه الأسس هي: الدين واللغة والتاريخ والحضارة والشخصية المميزة، ونحن أمة تتوفر فينا كل هذه المقومات وتلك الميزات، فديننا أسمى الأديان جاءنا بتعاليم وأنظمة مثالية بزت كل الآراء الأفلاطونية والنظرات السقراطية، كما فاقت كل النظم والشرائع الأرضية والمبادئ والدساتير الوضعية.
وإذا كان الدين الإسلامي من مقومات وجود أمتنا الفتية ومن مميزات وطننا الذاتية فإن لغة الضاد هي أيضا إحدى أسسه الفكرية والروحية ورابطته التاريخية والأدبية فهي مصدر تراثنا الفكري الخالد ومنبع إلهامنا ومجدنا التالد، بها سجل تاريخنا القومي والعلمي، ذلك التاريخ الحافل بالبطولة والمجد المليء بالعظمة والانتصار، ذلك التاريخ الذي أملى إرادته الجبارة على الحياة فاستجابت، وسير دفتها بمهارة فانقادت، ونشر لواءه الخفاق في المغربين ولمع نجمه الوضاء في الخافقين، حتى صار أغنية في فم الدهر وأنشودة في مسمع الكون تتحدث بخلوده الركبان على مر العصور والأزمان.
إن معرفة تاريخنا هو الذي يغذي في أبنائنا شعورهم بكيانهم، ويقوي تمسكهم بقوميتهم، ويجعلهم يذودون عن حوزة أمتهم، ويحافظون على تماسك الحلقات التي تربط ماضيها بحاضرها، كما تحفزهم على تقوية أواصرها، والتحام روابطها لصالح مستقبلها وتقدمها والاحتفاظ بمقوماتها، فالشعوب تموت إذا فقدت ذاكرتها، وما ذاكرتها إلا تاريخها القومي الحافل بالمكرمات المليء بالمناقب وأرقى الحضارات، تلك الحضارة التي هي جزء من كياننا وبعض تراثنا العقلي، لا يمكننا التخلي عنه أو الانتقاض من قيمته، لأنه يمثل ماضينا كأمة وعظمتنا كشعب.
وآثار هذه الحضارة لا تزال ماثلة للعيان تشهد بعبقريتنا، وتنطق بمجدنا، وتدل على ما كان لآبائنا من عقول مبتكرة وروح تقدمية وذوق رائع في الفن والجمال والرقي والإبداع.
وإذا كانت هذه الحضارة من مقوماتنا الوطنية والتي تمثل بعض مظاهر وأبرز خطوطها، فإن هذه الشخصية مما يجب المحافظة عليه لأنها تطبعنا بطابع خاص وتسمنا بميسم يميزنا عن الأمم والشعوب، وكل أمة من الأمم تحتفظ بشخصيتها الذاتية ولا تقبل أن تذوب في شخصية أمة أخرى كيفما كانت هذه الأمة، بل تعتز بها وترفع رأسها عاليا حين تنتسب إليها.
ولقد توج هذه المقومات ووقاها وأبرز هذه الخصائص ونماها وحافظ عليها وصقلها وأحاطها بهالة من القوة والمتعة -هذا العرش العلوي العتيد الذي حكم المغرب طيلة قرون وأجيال قام ملوكه- ولا زالوا- بأجل الخدمات حتى احتل المغرب مركزا ممتازا بين الأمم وصار له صيت ذائع بين الدول.
تلكم -فيما اعتقد- هي المقومات التي ترتكز عليها دعائم وجودنا كأمة وهذه هي العوامل التي خلقت منا دولة مغربية وجزءا من أمة عربية إسلامية قوية البنيان متينة الأركان.