عربيا وكان كبار الموظفين من الوزراء والقضاة والقواد من أسر عربية ولم يكونوا يقيمون لهذه الاعتبارات الجنسية أي وزن بل كان المرابطون مطهرين للأندلس من عبث الإفرنج، ونهج طريقهم الموحدون والحفصيون فوحدوا البلاد ضد غارات الإفرنج كذلك ولم يكن بنو مرين أقل حماسا منهم في الدفاع عن حوزة الإسلام والعروبة يوم تحالفوا مع بني الأحمر أواخر القرن التاسع لصد هجمات الإسبان، بل إن أمراء البربر سواء كانوا مصامدة أو صنهاجيين أو زناتيين حاولوا أن يربطوا أصولهم بالعدنانية والقرشية وأسعفهم النسابون بكثير من ذلك وكفى أن يقول الشاعر الصنهاجي:
قوم لهم شرف العلا من حمير
وإذا انتصبوا صنهاجة فهم هم
ويقول الشاعر المريني:
أيها السائل عنا أصلنا
قيس عيلان بنو العز الأول
ولنا الفخر بقيس أنه
جدنا الأكبر فكاك الكبول
وكفى البلاط الموحدي اعتزاز بالعروبة ولغتها أن يطرق باب الخلافة طبيب غماري وشاعر جراوي وكلاهما من البربر فينكثا الخليفة على هذه المصادفة بقوله طبيب من غماره وشاعر من جراوة ويجيبه الشاعر الحاضر البديهة، وضرب لنا مثلا ونسي خلقه نعم نسى أنه خليفة بربري، ونسى الجميع أن البربر هم فصيلة عربية، وتعشقهم لهذا العنصر ليس إمارة من إمارات (مركب النقص) بل هو من شوق الحبيب إلى الحبيب.
ولكن الإمبراطورية الإسلامية الموحدية والمرابطية صكت آذان بعض المستشرقين قسماها بعضهم بالجماعة البربرية le Pana Berbérisme وتخليها إحياء الإمبراطورية ماسنيسا وغيره، ولكن زعما كهذا لا يحتاج للنقد والرد إذ من المعروف لدى من له أدنى إلمامة بالتاريخ مدى تمسك الموحدين والمرابطين بالعربية والإسلام، حيث وصلوا نسبهم بعرب الجزيرة وكانوا حماة الإسلام وتعاليمه يجلدون من يتناول الخمر أو من يحاول مس كرامة الإسلام، ويتناول خليفتهم عن لقبه كأمير المؤمنين لخليفة بغداد حفاظا على الجماعة الإسلامية المقدسة، ويطول بنا الحديث لو أخذنا نعدد الشواهد الدالة على عروبتهم وإسلامهم فليراجع كتاب مفاخر البربر الحافل بذكر إعلامهم في العروبة والإسلام، واستمرت الإمبراطورية الإسلامية المغربية طيلة عصر المرينيين والوطاسيين من بعدهم، وهم برابرة أقحاح يعتزون بالعروبة ويناصرونها ويتسابقون إلى قرض الشعر والتأليف بلغة الضاد، فمن منع هؤلاء وقد استتب لهم الأمر وضعفت سيطرة الخلافة بل انعدمت أن ينادوا بلغتهم البربرية كلغة رسمية كما فعل الفارسيون ببلاد الفرس؟ والواقع أن البرابرة لم يعتقدوا قط أنهم عنصر غير عربي ولم يعتقدوا أن العرب دخلاء بل كانوا مؤمنين إن فتح العرب لبلادهم لم يكن استعمارا، ولم يكن غزوا وإنما كان تبشيرا وفتحا، ولذلك تآخوا مع العرب وتقاسموا الحكم وقادوا البلاد معززين اللغة مقيمين شعائر الإسلام، وقد تفتقت العبقرية البربرية طيلة عصر بني وطاس عن عباقرة البربر في اللغة العربية والثقافية الإسلامية حيث كان منهم الشاعر الملزوزي من قبيلة ملزوزة البربرية، والشاعر الكبير مالك بن المرحل المصمودي والأديب الكبير أبو شعيب الجزنائي والنحوي الكبير ابن آجروم الصنهاجي، والرحالة ابن بطوطة اللواتي وغيرهم من فطاحل الأدب وفرسان الشعر ويطول الموضوع لو أخذنا نعدد أسماء هؤلاء الإعلام.
وأعقبت عصر السعديين انتفاضات تلافاها المولى اسماعيل بكثير من الحزم حيث أنشأ نظام (اللف) كما في رحلة الزهو ني وأخذ يخلل القبائل البربرية ليتم الاتحاد والاندماج وقد وفق إلى ما أراد وأتم الله نعمته غير أن السلام لم يطل فقد هاجم الاستعمار بلادنا المسالمة الآمنة وكانت سياسة إحياء العنصرية البربرية أساسا للاستعمار الفرنسي الذي رمى بذلك إلى تكوين خلاف جوهري سلالي بين السكان المتجانسين ثم فصل المغاربة أجمعين عن الحركات الإسلامية في الشرق العربي، ولكن رد الفعل كان اعنف من الفعل إذ ثار العرب في المغرب وغيره، وثار البربر المغاربة ضد هذه السياسة وكانت هذه الثورة النفسانية عميقة شملت سائر الطبقات البربرية. وعما الظهير البربري على تقوية نظام (أزرق) ومقاومة الشريعة الإسلامية، فكان كثير من البربر يتجشمون المشاق ليتصلوا برجال الإسلام يلتمسون الفتيا فيما عن لهم من شؤون الدنيا والدين وشعارهم قول الشاعر القديم: