تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأكبر الذي يمم جهة المغرب لإقامة دولة عربية فآوته القبائل البربرية، وبالأخص قبيلة عبد المجيد (يخطئ بعض المؤرخين فيقول عبد الحميد) (والغالب عبد المجيد بدليل وجود هذه القبيلة إلى يومنا هذا) حيث لعبت البربر دورا هاما في تأسيس هذه المملكة وكانت المرأة البربرية صاحبة الحظ الأسد في تأسيس هذه الدولة ككنزة أم المولى إدريس الأصغر والأميرة الحسنى زوجته التي كان لها ضلع في قيادة دولته كما في كتاب (الدرر النسبية)، ولم تكن الدولة الإدريسية في الواقع إلا محاولة موفقة لتركيز الإسلام والعربية والتهيئ لقيام إمبراطورية بربرية إسلامية لتلقيح هذا الشعب بمصل جديد حمله إليه عظيم من أعرق الناس عروبة وإسلاما، ويسوقنا الحديث عن الإمبراطورية البربرية لإلقاء نظرة على القبيلة البربرية العظمى التي اضطلعت بهذه المهمة الكبرى.

فقد كانت تسيطر على أجزاء المغرب في بداية الحكم الإسلامي قبيلة عظيمة هي قبيلة صنهاجة، وكانت هذه القبيلة تنقسم إلى قسمين (صنهاجة شرقية) (وصنهاجة غربية) كما كان التنافس على أشده بينهما وكلاهما شعرا بدوره في توحيد المغرب تحت شعار امبراطورية إسلامية مغربية حيث تم انصهار العنصر العربي والبربري في بوتقة المغربية الإسلامية، وقد شاهد العصر الإدريسي هذا الصراع في أعنف صوره حيث تجرع أمراء هذه الدولة مرارة انهزام على يد العاهل الصنهاجي باديس الزيري الذي بنى مدينة (أشير) واحتل مدينة فاس غير أن انقسام الزيرين عاجل دولتهم كما هو مشهور في كتب التاريخ ولذلك لم يكن لهم في المغرب الأقصى بينما كان عبد الله بن ياسين يكون في تخوم الصحراء نواة الإمبراطورية الجديدة، ولا ينكر المؤرخون عروبة بني زيري الذين كان فيهم الكتاب والشعراء، وقد كتبت بحثا طويلا عن (تميم بن المعز) أحد ملوكهم الشعراء بلغة الضاد، أما صنهاجة الشرقية فإن تمسكها بالإسلام لا يحتاج إلى دليل وأن دولة كان مؤسسها عبد الله بن ياسين لا يمكن الشك في عروبتها وإسلامها فقد كان عبد الله بن ياسين زعيما روحيا وسياسيا لدولة الملثمين، وكانت نظريته الدينية دستورا لدولة المرابطين التي أسست في عصر الفوضى والانحلال لتقوم بإصلاح كبير وانقلاب حقيقي على أساس متين دينيا وأخلاقيا، لذلك كانوا نموذجا لسلامة الأخلاق والنزعة الدينية المستقيمة.

ودولة المرابطين هي أول دولة بربرية إسلامية أسست في المغرب، وأن إخلاصها العميق للإسلام والعروبة ليتجلى في موقف الخليفة يوسف بن تاشفين من الخلافة فقد لقب نفسه بأمير المسلمين بدلا من أمير المؤمنين تأدبا مع خليفة بغداد، واعترافا بدولته الكبرى وانطواء تحت شعار الخلافة الإسلامية بيد أن احتكاك هذه الدولة بالأندلس وحضارتها عقب انهيارها سياسيا واجتماعيا عجل دولة المرابطين بالانهيار لمخالفتها للدعوة الخلقية السامية التي أسست على مبادئها دعوتها.

وجاء الموحدين تحت قيادة المهدي بن تومرت ليواصلوا السير نحو توحيد المغرب عروبة وإسلاما مع سائر القطار الإسلامية الأخرى، ولكن المهدي بن تومرت جعل حدا فاصلا بين اللغة والدين.

فقد ذكر مؤلف الاستقصا أن المهدي بن تومرت أمر أن يكون النداء في الصلاة باللغة البربرية كما ذكر المراكشي في المعجب أن من التقاليد المتبعة لدى الموحدين أنهم يقرؤون عند ركوب الخليفة في المحافل توا ليف ابن تومرت باللسان البربري والعربي، وفي الحلل الموشية أن المهدي ألف للموحدين كتابا بالبربرية في التوحيد وفي القواعد، ويروي لنا صاحب القرطاس أن الموحدين تعصبوا للغة البربرية فكانوا لا يقدمون للخطبة والإمامة إلا من يحفظ التوحيد باللسان البربري. غير أن هذه المواقف التي اتخذتها الموحدين كانت للهيمنة على المشاعر الشيعية ونشر الإسلام الصحيح بين ظهرانيها، وبالفعل فقد مهدوا لانتشار العربية في المغرب بعد أن استأصلوا جرثومة العصبية، وطهروا قلوب المواطنين بتعاليم صافية خالصة، ومن سطحيات النقد التاريخي أن يعتبر الموحدون أعداء العربية بهذه اللفتات إلى الاعتناء بلغة التعبير، وإلا فكيف ينكر أحد من الناس تلك المحافل الأدبية أولائك الأعلام البرابرة في الأدب العربي، وتلك الحركة الفكرية المزدهرة في بلاطات الخلفاء والتي لم تكن وسيلة التعبير فيها إلا باللغة العربية الفصحى.

إن المهدي ابن تومرت وعبد المومن، والمنصور ألموحدي لم يكونوا خلفاء فحسب، بل كانوا علماء مفكرين بلغة الضاد، وأن الجراوي وابن حبوس وأبو الربيع سليمان وأبو حفص كانوا من عيون الشعراء وفطاحل الشعر العربي، ولم تكن دولة المرابطين ولا دولة الموحدين ولا دولة المرينيين بدول بربرية العنصر بل كانت دولا عربية تتكلم اللغة العربية وتحس إحساسا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٨٦