لا يتأتى لها أن تسيطر بسهولة ويسر سيما وآراؤه الاجتماعية تصطدم مع كثير من الأنظمة العتيقة لما تتسم به من تحرر وانعتاق، والمهم من هذا السرد هو الانتباه إلى مشكلة يسردها بعض المغرضين ذلك أن البربر قاوموا الغزو العربي، ومعنى هذا أنهم قاوموا العرب لصفتهم الجنسية ولأنهم غرباء عن فصيلتهم ولغتهم ويستنتجون من هذا أن هذه المقاومة لم تخفت في يوم من الأيام لأن العرب شرق والبربر غرب، ولن يلتقيا ولست أدري كيف يفسرون الحروب الداخلية التي اشتعلت في مختلف البلدان كحروب الثورة الفرنسية والحرب الأهلية الاسبانية فهل تعتمد على سبب جنسي أيضا؟ فإذا كانوا يرون أن هذه الحروب هي نتيجة الصراع بين فكرتين متناقضتين فلا مانع لهم أن يفسروا سبب الحرب بين البربر والعرب بنفس التفسير، ما داموا باحثين منصفين بل إن بعض المغرضين -يتخذون من أدب العرب حجة على هذا الصراع الجنسي ذلك لأن الشعراء وهم المعبرون عن النزعة العربية هجوا البربر فقال خلف بن فرح:
رأيت آدم في نومي فقلت له
أبا البرية إن الناس قد عملوا
ولكنهم لم يذكروا إلا هاجي العنيفة التي استمرت طيلة العصر الأموي بين اليمنية والقحطانية ولم يعرجوا على قصائد جرير في قوم الفرزدق والأخطل ... وغير ذلك كثير لا يمكن حصره، بل لم يذكروا قول يزيد بن خالد يمدح البربر:
إن قيسا قيس عبلان هم
معدن الخير على الخير دلل
حسبي البربر قومي أنهم
ملكوا الأرض بأطراف الأمل
والواقع أن النزاع العربي البربري هو نزاع أسروي يقع بين العربي وأخيه البربري وأن الشعر الهجائي لا يدل على شيء في هذا المضمار لأنه أقرب إلى الهزل منه إلى الحجة التاريخية والاستشهاد به في هذا الموقف بالذات سخافة ما بعدها سخافة.
لقد استطاع البربر في سهولة ويسر أن يتقنوا العربية إتقانا وأن يكون من بينهم طارق بن زياد الذي خطب أمام جحافل العرب والبربر قبل الانطلاقة الكبرى عبر البلاد الاسبانية وكان من بينهم سابق المطاطي شاعر الوعظ والإرشاد في دولة بني أمية في الشام، كما كان يحيى بن يحيى الليثي المصمودي أحد أئمة المذهب المالكي وراوي الموطأ عن الإمام مالك، ولقد أنس عقبة ابن نافع نواة الثقافة الإسلامية التي دامت في بلاد البربر وذلك يوم بنى (القيروان)، ومن المفيد أن أذكر أن هذه الكلمة من أصل فارسي تفيد معنى (المعسكر) وتطور المعسكر (الرباط) في عهد الوالي هرثمة بن أعين وأصبح عبارة عن مدرسة التكوين الإسلامي، حتى إذا وصل القرن الرابع الهجري كان الإسلام عم البلاد ولم يبق هناك أثر للنصرانية في بلاد البربر كلها (ومن الإنصاف أن نشير إلى حادثتين مهمتين وقعتا في هذه الفترة الأولى من تاريخ الإسلام بالمغرب العربي (أولهما) انتفاضة كسيلة البربري على عقبة بن نافع الفهري (وثانيتهما) ثورة ميسرة المضغ ري الخارجي، أما الأولى فلها تفسير بمسكلوجي ذكره المؤرخون العرب، فقد بالغ عقبة في إذلال القائد البربري كسيلة ولاحظ ذلك أصحاب عقبة فنصحوه ولكنه لن ينتصح، فكانت ثورة كسيلة انتقاما شخصيا من قائد يبالغ في الاستهانة به وليست ثورة عنصرية أو جنسية (أما ثانيتهما) وأعني ثورة ميسرة المضغ ري فقد كانت الخارجية قد انتشرت في بلاد المغرب بل أسست دولة خارجية هي دولة بني رستم في سلجماسة، وانضوى بعض البربر تحت لوائها ليحققوا آمالها في الحكم ويسترجعوا مكانتهم كقيادات، وصادف ذلك سوء تصرف الوالي عبيد الله ابن الحباب، فانتفض البربر تحت زعامة ميسرة، ولا يمكن أن نفسر هذه الانتفاضة بأنها انتفاضة عنصرية بقدر ما نرى المذهب الخارجي كان متنفسا لكثير من الناس الذين لم يقروا الخلافة في قريش سواء من العرب أو من العجم أو من البربر، كما يدل على ذلك تاريخ الحركة الخارجية، ويدل على بطلان هذه الدعوى تفشي الحركة الشيعية في المغرب تلك الحركة التي أمدت الفاطميين بعنصر قومي من الرجال والأفكار حتى تسنى لدولتهم أن تقيم خلافة كبرى تحل محل خلافة بغداد، فوجود الحركة الخارجية والحركة الشعبية في المغرب دليل قومي على تمركز الإسلام والعربية فيه، بحيث تأتي لهذه المذاهب الكلامية والسياسية والقانونية المنبثقة عن التفكير الإسلامي المحض أن تعمل عملها في بلاد البربر التي أصبحت بعد الفتح بلادا مسلمة العقيدة (سامية) (نسبة إلى العنصر المتساكن) والكلام على الحركة الشيعية في المغرب يدفعنا للتكلم على دولة الأدارسة التي كان بطلها من آل البيت، وهو المولى إدريس