دعوة الحق، س.3، ع 4 /أكتوبر 1960 .................. ص 37
البربر والعروبة
للأستاذ الحسن السايح
لم يلبث الرومان أن استولوا على الشمال الإفريقي، وقهروا الحضارة الفنيقية واستبدلوها بالحضارة الرومانية، فحولوا المعابد (من معابد بعل إلى معبد (أبلون) وحطموا قرطا جنة وأقاموا على أنقاضها مدينة رومانية جديدة، ومن الحق أن نعترف أن أجدادنا البرابرة ضعفت شخصيتهم الأدبية طيلة عصر الرومان فتأثروا بآدابهم وثقافتهم إلى حد كبير، بل كان البرابرة من عظماء المفكرين الرومانيين، سواء في ميدان الأدب والسياسة أو في ميدان الدين، ومن الحق أن نعترف أن البربر في هذه الحقبة التي تقمصوا فيها مظاهر الشخصية الرومانية كانوا أقرب إلى الطبيعة والفطرة في النظام الاجتماعي، ونحن نعرف أن العرب فقدوا شخصيتهم بعد خروجهم من الجزيرة العربية، وإقامتهم بحوض دجلة حيث استولت عليهم الحضارة الفارسية وكذلك وقع لهم مثل هذا في بلاد الشام حيث تأثروا بالحضارة الرومانية، وقل ذلك بالنسبة لحياتهم في مصر وفي الأندلس أيضا: فلا يجوز والحالة هذه أن نلوم البرابرة على هذا الانسلاخ لأنه انسلاخ يكاد أن يكون عاما لدى الشعوب التي تفارق موطنها القديم وتترك عطنها الأول.
فالواقع التاريخي أن البربر تأثروا بالحضارة الرومانية بعد أن ظلت مسيطرة عليهم زهاء ثمانية قرون بواسطة الدين الكنسي والإدارة المحلية وأصبح البربر رجال هذه الحضارة سواء في الناحية الأدبية أو الناحية الأدبية أو الناحية السياسية أو الناحية الدينية. ونذكر من مظاهر هذا التأثر في مضمار الأدباء (تور توربان) وهو كاتب بربري مبدع ولد بقرطاج سنة (160 - 245) واهتم بالدراسات الأدبية، وله حملات ضد المسرح الروماني (وسيبريان)، وهو كاتب ديني تولى منصب أسقف بقرطاج، وعرف بإنتاجه الأدبي ومن مؤلفاته كتاب (الصبر) الذائع الصيت في الأدب الروماني حيث أن مؤلفه كان زعيما من الطائفة الدومينية وبت فيه أفكاره الفلسفية، (والقديس أوغسان) المولد بتا كست القريبة من سوق الأحراش مؤلف كتاب الاعترافات، والمؤرخ الكبير (فلو روس).
وفي ميدان السياسة يذكر التاريخ الروماني اسم كثير من القواد والرؤساء نخص منهم بالذكر سبنيون الإفريقي وغيره من القياصرة الرومانيين من ذوي السلالة البربرية.
على أن العهد الروماني ولى وخلفه عهد أشد حلكة منه وهو عصر الو ندال تحت قيادة جنصرين ثم عصر البيزنطيين الذين قاومهم العرب والبربر معا بعد الفتح الإسلامي ...
وما كاد الإسلام يشع في الجزيرة العربية حتى خرجت جحافل العرب تبشر بالدين الجديد في مختلف الأمصار.
ففي خلافة عثمان بن عفان استأذن الوالي على مصر عبد الله بن أبي سرح الخليفة في فتح بلاد البربر سنة ست وعشرين فأذن له الخليفة في هذا الغزو وبذلك وقع الاتصال من جديد بين العرب والبربر .. وكان البربر متعاونين مع البزنطيين ولكنهم لم يكادوا ينهزمون أمام جحافل العرب وأن يعرفوا مغازي الفتح العربي حتى انقلبوا ضد البزنطيين وتعاون قليل منهم مع العرب، ومع ذلك قد استمر العراك بين العربي والبربري طيلة ولاية معاوية بن حديج وعقبة بن نافع والمهاجرين أبي دينار وحسان بن النعمان، ومن الملاحظ أن كثيرا من القبائل اعتنقت الإسلام ثم ارتدت عنه، وأن كثيرا من القبائل ثارت ضد الفتح الإسلامي ونقضت العهود ولكن هذا لا يدل على خلاف جنسي فقد ارتدت معظم القبائل بقيادة مسلمة بعد موت النبي، وإنما يدل على أن الإيمان لم تخالط بعد بشاشته القلوب .. وإن الإسلام ثورة اجتماعية وفكرية