ولكن بعد أن تزحزح المسلمون في أزمان ماضية عن قيادتهم للعالم، وأخذ علماء الفقه الإسلامي بالتقليد في الأحكام الشرعية، وقف الاجتهاد في التشريع وانزوى الفقهاء عن الحياة العامة قليلا أو كثيرا حسب الأزمان المختلفة. ولولا ذلك ما كنا بحاجة أبدلا لاصطناع قوانين لا تتفق وديننا وتقاليدنا، قوانين يبين من المقارنة أن التشريع الإسلامي بفضلها في كثير من النواحي.
مقارنات:
يطول بنا الحديث إذا دخلنا في المقارنات الكثيرة بين التشريع الإسلامي وبين التشريعات الوضعية القديمة والحديثة، ولأن حيز هذا المقال ضيق محدود نكتفي بالبعض منها، وبذلك يتبين لنا سمو التشريع الإسلامي على غيره من القوانين الوضعية في نواح كثيرة ليس من اليسير عدها وإحصاؤها.
أ - يرى الأستاذ الدكتور علي بدوي، وهو أحد المصريين الأعلام في القانون -بحق- أن التشريع الإسلامي له استقلاله عن غيره من التشريعات القديمة، وأنه يفوق في كثير من النواحي غيره من التشريعات الحديثة، ومن ذلك نظام «الحبسة» وهي وظيفة اجتماعية قانونية إسلامية تقابل وظيفة النيابة العمومية اليوم، ونظام العقاب بالتعزيز وهو ترك تحديد العقوبة نوعا ومقدارا للقاضي فيحكم بما يراه تبعا لما يراه من ظروف الجريمة وحالة المجرم ونفسيته، وهو نظام يمتاز به الفقه الإسلامي وينادي به كبار العلماء الجنائيين في العصر الحديث (3).
ب - والدكتور شفيق شحاته الأستاذ بكلية الحقوق يقول في بعض ما كتبه، وإذا أردنا المقارنة من حيث قيمة النظم القانونية، وجدنا التشريع الإسلامي قد سبق التشريع الروماني في تقدير بعض المبادئ العظيمة، ومنها مبدأ انتقال الملكية لمجرد الاتفاق (أي بلا حاجة إجراءات رسمية وأمور شكلية) ومبدأ سلطان الإرادة (أي إرادة كل من المتعاقدين) (4).
ومبدأ النيابة التعاقدية، كما يقول وهو بصدد بحث نظرية النيابة هذا لم يصل بطريق الوكالة أو الفضالة، ومبدأ النيابة هذا لم يصل إليه التشريع الروماني إلا بعد جهاد عنيف وهو قد بقي مجهولا من التشريع الفرنسي القديم، أما الفقه الإسلامي فقد قال بالنيابة التامة، وبالنيابة التامة إلى حدود بعيدة جدا (5)
ج - والأستاذان الدكتور عبد الرزاق السنهوري والدكتور احمد حشمت أبو ستيت يقولان في المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، ما يحسن أن ننقله حرفيا أيضا «لم تسلك الشريعة الإسلامية في نموها الطريق الذي سلكه الفقه الروماني، فإن هذا القانون بدأ عادات كما قدمنا، ونما وازدهر من طريق الدعوى والإجراءات الشكلية. أما الشريعة الإسلامية، فقد بدأت كتابا منزلا ووحيا من عند الله، ونمت وازدهرت من طريق القياس المنطقي والأحكام الموضوعية ... إلا أن الفقهاء المسلمين امتازوا على فقهاء الرومان، بل امتازوا على فقهاء العالم، باستخلاصهم أصولا ومبادئ عامة من نوع آخر، هي أصول الأحكام من مصادرها، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه (6).
د- هذا ونكتفي في ناحية المقارنات ببيان أن التشريع الإسلامي تسوده «الجماعية» التي تهدف على صالح الفرد والمجتمع معا، وهذه النزعة تجدها واضحة في تشريعات العبادات والمعاملات معا فكل التشريعات ف يهاتين الناحيتين تهدف إلى تهذيب الرفد وتحقيق ما فيه خيره وخير المجتمع بأسره، والتل لذلك واضحة ندركها بسهولة ويسر وتكفينا فيها الإشارة.
(6) أصول القانون، ص132
(3) راجع مجلة القانون الاقتصادي، العدد 5 من السنة الأولى الصادر في نوفمبر 1931 ص 733 وما بعدها.
(4) النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية، جـ، 1، 1،2.
(5) النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية، جـ، 1، 161.
(6) أصول القانون، ص 132.