نشير مثلا على حكمة تشريع الصلاة والصوم والزكاة والحج، وحل البيع وتحريم الربا، والأمر برعاية الجار والوفاء بالعقود وتحريم الزنا، وإقامة الحدود صيانة لمجتمع، إلى آخر ما نعرف من الأحكام التي جاءت بالأمر والنهي والحل والحرمة، ففيها كلها تهذيب للفرد وخير له للمجتمع معا.
وبعد هذا التعميم لابد من التخصيص، وذلك بالإتيان ببعض المثل المحدود الواضحة الدلالة على ما نقول، أي على أن الطابع العام السائد في التشريع الإسلامي من أول أمره هو الطابع الجماعي، وذلك بعكس التشريعات الوضعية.
أوجب الله تعالى في أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل والمحروم، هذا ما نسميه بالزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لتعطى للفقراء، ثم جعل في أموال الأغنياء حقوقا أخرى غير الزكاة، ولهذا نرى الله تعالى يقول: «سورة البقرة آية 177» «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة» ... وإذن، ففي المال حقوق أخرى غير الزكاة وهذه الحقوق تعطى لذوي القربى واليتامى والمساكين ونحوهم.
ومثال ثان، وهو من المعروف، كما رواه الإمام أبو يوسف (7)، أنه لما فتح الله العراق والشام على المسلمين أيام عمر بن الخطاب أراد فريق كبير من المسلمين قسمة الأرض وما عليها بين أصحاب الحق الفاتحين، لكن الإمام عمر رأي أن يترك الأرض بيد ملاكها على أن يدفعوا الخراج والجزية لصالح المسلمين جميعا، وكان هذا توفقا من الله لعمر بن الخطاب كما عوده في كثير من الحالات.
واوجب التشريع الإسلامي من ناحية أخرى، التفقه اللازمة في بيت المال لكل فقير عاجز عن العمل وليس له قريب تجب عليه نفقته، لا فرق قي ذلك بين المسلم وغير المسلم الذي يعيش تحت ظل الإسلام، وفي هذا يروي التاريخ أن عمر بن الخطاب أمر برفع الجزية عن كل ذمي لا يقدر على أدائها وبأن يفرض له في بيت المال ما يكفيه هو وعياله ما أقام بدار الإسلام.
ومثال آخر بل مثل أخرى نأخذها من تطبيقات القاعدة الإسلامية المعروفة، وهي: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» هذه القاعدة التي عرفها التشريع الإسلامي منذ وجودهن والتي عرفتها التشريعات الحديثة بعد ذلك بقرون وقرون تحت عنوان «نظرية سوء استعمال الحقوق».
فطبقا لهذا الأصل العظيم يجب ألا يسيء المرء استعمال حقه لدرجة أن يكون في ذلك ضرر كبير لآخر، ولهذا، يكون للزوجة أن تطلب تطليقها من زوجها إذا نالها بضرر غير مشروع، وللجار أو الشريك أن يطالب بالشفعة فيما باعه شريكه أو جاره الآخر لأجنبي، مع أن من خصائص الملكية حرية المالك في التصرف فيما يملك، وللإنسان أن يحفر في أرض غيره مجرى ماء ليروي أرضه البعيدة عن مجرى الماء، ويجبر صاحب الأرض الأخرى المجاورة للماء على ذلك.
تلك المثل، ولو شئنا لأتينا بأخرى كثيرة، فيها الكفاية لإثبات النزعة «الجماعية» للتشريع الإسلامي هذه النزعة التي نجد مصدرها الأصيل في القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم وأحكام وآراء كبار الصحابة والتابعين، وذلك -كما قلنا- لأن الشريعة الإسلامية لم تأت لصالح الفرد وحده، بل لصالح المجتمع كل في أوسع حدوده.
أما التشريعات التي هي من صنع البشر، فلم تلاحظ في أول أمرها بخاصة هذه النظرية الجماعية أو الاجتماعية السامية، بل كانت تسودها الروح الفردية العنيفة، ولنأخذ مثلا لذلك القانون الفرنسي الذي صدر في مفتتح القرن التاسع عشر.
لقد ساد هذا القانون روح فردية قوية تلتئم مع الروح التي أملت حقوق الإنسان، وهي تدعيم حقوق الأفراد وحمايتها، وتنظر إلى الفرد باعتباره العنصر الأهم في الحياة لا باعتباره جزءا من كل هو الجماعة، وقد كان من نتائج ذلك، أن أتى وقت اعتبرت فيه الحقوق مطلقة المدى، وأن صاحب الحق في استعماله سيد لا يسأل عما يترتب على هذا الاستعمال من الأضرار التي تحيق بغيره (8).
(7) كتاب الخراج، ص 14 - 15.
(8) راجع «مدى استعمال حقوق الزوجية وما تتقيد به في الشريعة الإسلامية، والقانون المدني الحديث»، للأستاذ الدكتور السعيد مصطفى السعيد، ص 5.