تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنسهم في بعث العالم وإخراجه من الظلمات إلى النور، وكان هذا ما نسميه اليوم بالفقه أو التشريع الإسلامي.

شموله وغناؤه:

والتشريع الإسلامي نظام شامل بلا ريب، فهو يحكم الإنسان وتصرفاته في كل حالاته، في خاصة نفسه، وفي صلاته بالله تعالى. وفي علاقاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقة الأمة أو الدولة الإسلامية بالدول الأخرى. إنه ينظم كل هذه العلاقات، وذلك ببيان القواعد التي تهيمن عليها وتحكمها على اختلاف أنواعها.

وذلك يرجع إلى أن الإسلام -على خلاف غيره من الأديان التي سبقته- ليس عقيدة دينية فحسب، بل هو دين وأخلاق ودولة بكل ما تتسع هذه الكلمة من معنى ومدلول. والواقع يؤيد هذا الذي نقول. فكان لابد إذن من أن يكون في التشريع الذي جاء به جميع النظم والحكام التي تقوم عليها كل هذه العلاقات، من عامة وخاصة، وسواء في ذلك ما يتصل بالفرد أو المجتمع أو الدولة.

ولذلك نجد في هذا التشريع العبادات وأحكامه، وهذا ما لا يوجد في أي تشريع آخر قديم أو حديث، والمعاملات وأحكامها على اختلاف ضروبها. وبعبارات أخرى نجد في التشريع الإسلامي -فضلا عن أحكام العبادات التي تنظم صلة العبد بربه وخالقه -كل ما يشتمله القانون بقسميه الكبيرين: القانون الخاص والقانون العام.

ففيه القانون المدني الذي يعتبر أصل القانون الخاص بجميع فروعه الأخرى، وفيه القانون التجاري، وقانون المرافعات، والدولي الخاص، ثم فيه القانون الدولي العام، والقانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون المالي الذي يلحق به، ثم القانون الجنائي (1).

ومن هذا نرى بوضوح أن التشريع الإسلامي قد عرض لكل مسائل القانون بأقسامه وفروعه العديدة المختلفة، وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى إيضاح أو تعليل، مادام انه كان تشريعا كاملا للأمة الإسلامية في كل أحوالها الداخلية والخارجية، وكذاك لكل أمة أخرى تريد الخير لنفسها.

على هذا التشريع الشامل لكل أبواب وفروع التشريعات الحديثة، والغني بأصوله القوية وأحكامه الصالحة لكل زمن ومكان، قامت الأمة الإسلامية قرونا طويلة وأفاد منه الغربيون أنفسهم في قوانينهم الوضعية أيام كانوا يعتبرون المسلمين عباقرة ومثلا عليا في كل شيء، وبخاصة فرنسا. فقد استمد القانون المدني الفرنسي الذي وضع عام 1805 ميلادية مذهب الإمام مالك بن انس رضي الله عنه.

وذلك بأنه لم تأت سنة مائتين من الهجرة حتى كان مذهب مالك قد ساد في الأندلس في الحكم والقضاء، وهو لا يزال سائدا في المغرب الإفريقي حتى اليوم، وكانت بلاد الأندلس مثابة يفد إليها علماء أوربا يغترفون من العلم الإسلامي ويستضيئون بنوره، وهي مع هذا قطعة من أوربا، وبذلك يكون التشريع الإسلامي قد حكمت به أقاليم من اسبانيا وفرنسا وإيطاليا.

وكان من هذا أن انتشر مذهب مالك في تلك الأصقاع، وأن استمرت قواعده وأحكامه معروفة في تلك البلاد بعد خروج المسلمين منها، فأفاد منه واضعو القانون المدني الفرنسي حين آن لفرنسا أن تضع لها قانونا مستقلا، وليس على من يريد التأكد من ذلك الذي نقول إلا أن يقوم بشيء من المقارنات بين التشريع الإسلامي وبين القانون المدني الفرنسي: هذا القانون الذي هو الأصل الأول لقوانيننا الوضعية الحديثة (2).

(2) هذا رأي بدا يأخذ قوة في أوساط علماء التاريخ والقوانين والشرائع المنصفين، ومع هذا راجع (المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي) للأستاذ سيد عبد الله حسين ج1 ص17 وما بعدها.

(1) من الخير الرجوع في هذا كله إلى كتابنا «الفقه الإسلامي» -مدخل لدرسته ونظام المعاملات فيه- ص 103/ 115 من الطبعة الثانية -فقد تكلمنا عن ذلك بتفصيل.

(2) هذا رأي بدأ يأخذ قوة في أوساط علماء التاريخ والقوانين والشرائع المنصفين، ومع هذا راجع (المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي) للأستاذ سيد عبد الله حسين ج 1 ص 17 وما بعدها.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٥٦