ويشير إلى الراهب بالابتعاد عن الأعمدة. ثم سمع صوتا بعيدا كما لو كان آتيا من عالم الفناء وهو يأمر العساكر من أفراد الشرذمة المكلفة بتنفيذ الإعدام بأخذ أسلحتهم والوقوف موقف الاستعداد.
وشرعت الطبول تقرع قرعا وئيدا متعاليا فاعتقد بأن رأسه يوشك أن يتطاير في الفضاء. وأحس من خلال ذلك القرع الوئيد المتعالي بصدى إعداد البنادق لتلفظ ما في جوفها من رصاص قاتل فأدرك تمام الإدراك أن الثنية الأخيرة في حياة أولئك الرجال المربوطين بالأعمدة قد وصلت وانتظر خروج الطلقة النارية الأولى.
وأصبح قرع الطبول يصم الآذان. وقد أدار رأسه بتؤدة خوفا من أن يصاب بالجنون إذا امتد ذلك الانتظار الرهيب بضع لحظات. وظن مع ذلك أنه رأى الضابط وهو يتوجه إلى الجنود محركا شفتيه. غير انه لم يسمع لتلك الحركة صدى. أنه رأى أحد الجنود يسير نحو الأعمدة. غير أنه ظن تلك الرؤيا إنما هي من مفعول الهذيان. وكان يود أن تتوقف أذناه عن سماع قرع الطبول ...
فهل كان سينهار من فرط الخوف ساعة الموت وهو الذي كان يريد أن يحتفظ بوعيه وشهامته ويبرهن للعالم على قدرته ورابطة جأشه في مجابهة الموت ولقائه كما يلقاه أحرار الرجال؟.
أنه رأي الجندي ينزع العصابة عن أعين الأول فالثاني فالثالث من المحكوم عليهم. ثم جعل الجندي يفسخ الحبال التي كانت تشدهم إلى العمدة ثم الحبال التي تمسك معاصمهم فيدفعهم أمامه حيث يقطعون الساحة ليسترجعوا أماكنهم داخل الصف.
ولم يكن صاحبنا يبحث عن شيء ولا يريد أن يحرص على إدراك أي شيء فظل واقفا وسط تلك الساحة وقد أصبح مخه مادة لزجة لا تستطيع التفكير في شيء. فقد فقد القدرة على الاندهاش وحتى على التألم فكان يرضى عن ذلك الوجع الشديد ويتحمله في هدوء وسكينة. ولم يكن يستطيع أن يفكر حتى في الصياح أو في الفرار مادام يحس بالقدرة على العدو.
وفجأة توقف الجنود عن قرع الطبول دون أن تطلق الرصاصة الأولى. غير أنه لم يندهش لذلك أيضا.
ثم سمع صوتا يناديه باسمه متبوعا بكلمات لم يدرك لها معنى في تلك اللحظة. وعندما تفرق صف المحكوم عليهم واخذوا يسيرون تاركين ساحة «سيميونوف» وراءهم استأنف طريقه نحو السجن فاستعاد فيه شيئا من إحساسه ووجدانه. ولما كان المحكوم عليهم قد أخذوا يسيرون ببطء عندما اقتبسوا من منعرج الطريق شاهد أولهم الذي كان أقربهم ميعادا مع الموت وهو يسير أمامه فلم تعد ركبتاه ترتعشان. عند ذلك تذكر الكلمات التي سمعها: «إن صاحب الجلالة القيصر قد أصدر عفوه عن فيودور ميكايلوفيتش دو ستويفسكي واستبدل الحكم عليه بالإعدام بالنفي إلى سيبيريا لقضاء أربع سنوات سجينا لها.»