تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السافلين أو كان ينتمي إلى زمرة المختارين اللذين لهم حق التصرف في الحياة البشرية؟.

من هو هذا الذي سيصف العواطف والأحاسيس التي تجتاح نفس المقامر عندما يقرع سمعه رنين الكرة الدائرة في انسيابها وتمسك أصابعه المحمومة بأوراق المكاسب الأولى. أن الألعاب تتعاقب ويزول الواحد منها تلو الآخر فلا يبقى منها أمام المقامر إلا رقص الكرة وتأرجحها في الانسياب ... من هذا الذي سيصف خسران المقامر ومغادرته لمائدة الميسر وخروجه من النادي متحسرا؟.

من هذا الذي سيهتم بمصير الأطفال الذين لفظوا بقسوة إلى هذا العالم الذي اعتاد الناس فيه جريان الدماء وأصبحت الرذيلة تتفشى فيه بكل حرية ولم تعد مجلبة للعار والمهانة بينما كل واحد يهذي هذيانا هستيريا مطالبا بالإنسانية والشفقة فلا نجد شخصا يريد الاضطلاع بذلك الواجب فيملأ الفراغ الذي نتخوفه؟. إن الناس كلهم يريدون أن يشربوا من ذلك المعين ويستمروا دائما في أرواء ظمأهم. يغر أن الأمور تنعكس تماما كلما نودي على أحد منهم بأداء نصيبه من التضحية.

إنه كان يعلم حق العلم إنه ليس قادرا على النظر إلى الأمور كما تنظر إليها الدهماء. فقد حكمت عليه الطبيعة باستفسار نفسه وطرح الأسئلة العويصة عليها وبالاجتهاد دائما في الجواب عنها. ولو لم تكن طبيعته على هذا النحو لكان يفوز بأكاليل الغار ولما كان في ذلك الوقت بتلك الساحة ينتظر أن ينفذ فيه الحكم بالإعدام رميا بالرصاص.

وظهر أمام روحه منظر خلاب رائع ... هو منظر رجل شاب وسيم الطلعة كأحد الأمراء ... وكان الرجل نبيلا كريما يقدم إلى العالم إحسانه إيمانه بعظمة الإنسان. ومع ذلك فقد رأى هذا الرجل احتقار أمثاله له لقاء رحمته بهم. بل إن وجوده كان في نظر العامة سبة حية مائلة تكفي للحكم عليه. وكان الناس يتسابقون في إذايته ويتصرفون عنه منادين إياه بالسخيف وهو يدعوهم إلى إيثار المحبة الشاملة العاملة على لبغض والعداوة.

وكان هذا المصير المحزن لذلك اشخص يملك عليه إعجابه كله حتى نسي ما كان يحيط به خلال بضع ثوان ويرى ذلك المصير موضوعا حببت إلى نفسه الكتابة فيه.

وتعالت صيحة مدوية رهيبة انتزعت منه تلك الآراء انتزاعا فأحس بقطرات العرق تنصب على جبهته وخديه وعنقه وتنساب إلى ظهره. واضطر أمام ذلك الإحساس إلى فتح عينيه بقدر ما كان يستطيع فوجد حجابا رقيقا قائما أمام بصره وانه لا يرى ما كان يجري في تلك الساحة على بعد خطوات معدودة عنه. ومع ذلك فلم يحد ببصره عن ذلك الاتجاه.

إنه رأى الجنود يمسكون بذراعي الأول من المحكوم عليهم ويربطون معصميه بعنف وراء ظهره حتى أن الجسم المنهوك من فرط الألم والخوف كان يستقيم وتظهر على الرجل إمارات العزة. وتكرر ذلك المنظر ثلاث مرات ورأى كيف أن الجنود يعصبون أعين البؤساء ويسوقونهم إلى العمدة ليشدوهم إليها شدا وثيقا لا يترك لهم مجالا للتحرك ولو قيد أنملة.

وحاول صاحبنا أن يتذكر معالم الوجوه التي كانت على مقربة منه قبل لحظات فلم يستطع وانتهى إلى إخفاء وجهه بين يديه لأنه لم يعد قادرا على تحمل ذلك الانتظار وذلك الإحساس بالعجز أمام النهاية القريبة.

ولم يكن قد فكر إلى ذلك اليوم في أوجه الموت المختلفة. أما الآن فقد فات الأوان ولم يعد هناك مجال للتفكير فيها لأن الرصاصة التي ستذهب بحياته كانت مصهورة منذ وقت طويل وقد استوت الآن كمثيلاتها داخل الحزام الذي يتذرع به الجنود.

غير أن الشيء الذي أغاظ صاحبنا وأقلقه إلى حد الجنون هو رفض ضابط الشرذمة لطلب الإنعام عليه بالنظر إلى العالم نظرته الأخيرة. فقد كان على حق في أن يرى الموت يسعى إليه. غير أنه كلن يعلم أن الاحتجاج لا يفيد خصوصا وقد رأى كيف أنه من اليسير تعصيب عيني رجل مكتوف اليدين.

ولم يعد في مستطاع صاحبنا إلا أن يقبل الموت على ذلك الحال فلا يستطيع أحد أن يرى الابتسامة التي كان يرغب توديع الحياة بها. وسمع بعد حين سعال احد الحاضرين فرأى أن الضابط الذي ظل ربع ساعة يقرأ نصوص الأحكام بالموت قد شرع يبتعد عن الجنود

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٣٠