تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنه لو رد إلى الحياة لقرأ كتب «بوشكين» و «غوغول» وغيرهما من الكتاب الذين يعجب بهم ولا قبل على شرب نبيذ القوقاز والتنقل بين شوارع سان بطرسبوغ وأزقتها ليقرأ على وجوه الناس سر بؤسهم ومكنون آلامهم. إنه لو رد إلى الحياة الحرة لعاش بين أولئك الناس وأنفق الوقت الطويل في الحديث مع المومسات والسكارى ومع المولدات وأصحاب الدكاكين. بل لجادل الكفار والعباد على السواء ليعلم آنذاك أنه موجود وانه يشرب الحياة في مذاقاتها المختلفة كما يشرب الظمآن كأسا من الماء.

لأن يكون الإنسان حيا خير له من أن يواري في التراب. فالحياة هي أن يفتح الإنسان عينيه الشغوفتين بالاستطلاع على الناس والحوادث فيشغل نفسه بها ويقاسم الأحياء صداقتهم والمهم وخوفهم ورجاءهم ودمعهم وضحكهم ودفء الشمس وعتو الريح.

إن الإنسان يستطيع متى كان حيا أن يهمس في نفسه بأسماء الأشخاص المحببين إليه فينطق بكلمة «الأم» ويذكر اسم أخ أو أخت أو صديق. وهو يستطيع أيضا أن يخرج إلى الشوارع متى ضاق ذرعا بالجدران الضيقة القائمة من حوله وان يضحك لنكتة ويداعب بلطف شعر امرأة فيعلي رأسها ويرغمها على النظر إلى عينيه. بل في مستطاعه أن يسقي الأزهار ويستمع إلى صرير النحل أو يستلقي على الكلأ ليشاهد مر السحاب.

إنه في مستطاع الشخص متى كان حيا أن يتضامن مع كافة أبناء البشر فيتمم مسؤولية أعمالهم ويقاسمهم وزر آثامهم لأنه يكون آنذاك متساويا معهم وجانبا عندما يقترفون الجناية ويتعلق بالحياة كما يتعلقون.

إنه في متناول الإنسان أن يأتي كل شيء إذا هو أراد. والشيء المهم بالنسبة إليه هو أن يعرف إمكانياته ولا يترك فرصة مواتية للعمل دون أن ينتهزها.

وكان الغيظ يتأجج ف ينفسه عندما يفكر في أن الموت يعبث بكل تلك الآمال ويذهب بها. وكان مجرد التفكير في قرب الموت يشيع في نفسه المزيد من الرعب. فقد كان يشد يديه بقوة حتى أن الأظفار كانت تؤلمه إلى أبعد حدود الإيلام وكان يبذل مجهودا كبيرا لترويض نفسه على الصبر وتهدئة غضبه الجامح. وكان هو السادس في صف المحكوم عليهم بحيث أن الأشخاص الثلاثة الواقفين عن يمينه والذين لم يكن يجرؤ على النظر إليهم سيسبقونه إلى لقاء الموت.

وأحس بوقع نعال الجند على الطوار الذي كان يعلوه الجليد فأدار رأسه إلى الجهة التي كان يأتي منها صدى الأقدام فرأى الجنود الأربعة يقطعون الساحة متوجهين إليه في بطء كما يسير الرجال أصحاب المعدة الراضية والضمير المرتاح الهادئ.

ووقف الجنود لما أصبحوا على خطوة واحدة من المحكوم عليهم فصاح أحدهم قائلا: «الأرقام واحد اثنين ثلاثة ... غادروا الصف». وكان هذا الجندي ذا صوت غليظ يمجه السمع. وما أن سمع هذا الصوت حتى أصاب بصره بعض الضباب لما رأى الرجال الثلاثة قد شرعوا يسيرون وقد أحاط بهم الجنود فأحس بهم كما لو كانوا يستأثر بهم ومقدار الإحساس بالعجز الذي كان ينتابهم. كما أحس بضعف أجسامهم التي سيخترقها الرصاص ويمزقها بعد حين دون أن يجد في ذلك مقاومة ولا عناء.

إنه كان يعرف ما كان أولئك الرجال يفكرون فيه ويعرف إنهم كانوا يعلنون حظهم العاثر الذي حكم عليهم بالسبق إلى الموت ولو استطاع أولئك الرجال لقدموا كل ما هو موجود في العالم ليوضعوا في الجانب الآخر من ذلك الصف.

إن هذا المنظر قد استثار قلبه فأغمض عينيه وطأطأ رأسه يحاول أن ينسى ما رآه قبل لحظات. وكان يتصور في مخيلته المهتاجة صور أشخاص آخرين ومناظر أخرى. إلا أن تلك الصور كانت غامضة وان كان الألم العميق يجتاح صدره لما كان يرى من عجزه عن أداء القسم الثاني من رسالته إلى الناس.

إنه رأى الكتب التي كان في مستطاعه أن يكتبها لو كان له متسع من الوقت وهي تستعرض أمامه. وكان إحساسه بالألم الشديد والتمرد الجامح يجتاح صدره فيصطك فكاه عندما يرى قرب عجزه النهائي عن الإبداع والخلق وقرب قصوره التام عن الإفصاح بالحب والتعبير عن إشفاق الذي كان يحس به نحو كافة الناس ويرى أن نوازع الثروة الروحية التي يتحلى بها قلبه ذاهبة إلى العدم عبتا.

ماذا سيقول التاريخ عن ذلك الطالب الذي اضطر بحكم الفقر إلى التخلي عن الدرس والتحصيل وساقه الجوع إلى اغتيال عجوز مرابية؟. ماذا سيقول ضميره عندما يسأل نفسه عما إذا كان قد فعل فعلة القتلة

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٢٩