تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخذ مصيره يتراءى به بوضوح شيئا فشيئا فظهرت شخصيته الحقيقية ورأى طريقة الحق ينفرج أمامه وقد أحاط به ضياء يغشي الأبصار. إنه سيكون المحامي لجميع المحتقرين والمدافع عن كافة المهانين الموجودين بهذه الأرض. وقد كان يكتب من غي فتور ولا وهن فكان يصطلي بجميع الأطوار التي يتقلب فيها الإنسان إذا ما كتب عليه الشقاء.

إن السطور كانت تأتي تلو السطور وكلها صادرة عن تيار الحياة النابع من قرارة نفسه. إن ذلك التيار كان بمثابة الموج المتدفق الذي ينتهي إلى تكسير السدود والذهاب بها. فلم يكن هناك من القوانين والأعراف ما يستطيع حصره. إن الصراع كان صراعا بين الملك والشيطان ونفس الرجل ميدانا لذلك الصراع.

وأدرك الرجل ذات يوم أنه قد انتهى إلى مرحلة الحب المجرد القادر على تحمل مختلف أنواع الحرمان وشتى صروف الجهاد فسأل نفسه عما إذا كان في مستطاع غيره من البشر أن يرقى إلى تلك الدرجة أيضا. ولم يفتأ يسأل نفسه عما إذا لم يكن الإنسان قد آثر منذ العصور العتيقة محبة المظاهر على محبة الحقيقة العميقة المجردة التي تختفي وراءها.

وكان الرجل يجهد نفسه في البحث عن الأمثال فوجدها في المسيح وأدرك أن التصليب أمر لم يكن هناك مفر منه. ومع ذلك فقد واصل السير في الطريق التي اختطها لنفسه من قبل.

وقرأ السيد «بيلينسكي» مخطوطه ذات يوم فطلب منه أن يمر به ليمضيا بعض الوقت في الحديث. وكان صاحبنا ينتظر كل شيء من ذلك الناقد الذكي المعروف بقسوته غلا أن يحدثه بذلك النحو من الكلام. فلم يكد يدخل المكتب حتى سار «بيلينسكي» إليه وضمه بين ذراعيه وهو يقول وقد بلغ به الإعجاب غايته:

- هل تدرك يا صديقي ما كتبت وهل في مستطاع البشر أن يعلم ما علمت وعمرك لم يتجاوز العشرين بعد؟. إن موظفكم «ديبوشكين» قد أصبح في وضاعته لا يجرؤ على التفكير في أنه شقي. وقد يعتبر أبسط الشكايات من وحي الثورة الفكرية بل برهانا على تمرد الضمير. إنه لم يعد في المستطاع أن نشعر بعطف على ذلك المخلوق الحقير وإنما نحس نحوه بالامتهان له والسخط عليه. إنك قد اهتديت منذ اللحظة الأولى إلى المسألة الرئيسية وتعمقت قلب المشكلة. فعليك أن تظل فيما أنت فيه من الإخلاص لنفسك بمصارحتك لها لتدخل في زمرة أكابر الكتاب.

وكان المحكوم عليه بالإعدام يحس لآخر مرة بشعور الاعتزاز عندما يتذكر قول الناقد فيستعين به على مغالبة الخوف. وقد أقسم أن يظل مخلصا لنفسه أمام الموت وأن لا يخور عزمه لأن جهاده لنفسه هو سر مهمته الجديرة بالتضحية بالوجود في سبيلها. ولم يكن يكره شيئا ككرهه لهذا الكذب المهين الذي يعيش فيه معظم الناس.

إنه لم يجهل الجريمة التي سبق بسببها إلى ساحة «سيمينوف» التي كان ينتظر فيها أن يمسك بأحد الأعمدة في ذلك الصباح البارد من شهر دجنبر. فقد تجرأ على الثورة ضد حكم كان يسوق الناس كما تساق قطعان الثيران. وكان يرى أنه لن يصبح بعد دقيقتين أو ثلاث إلا شيئا لا حركة فيه ولا حياة فكان يشق عليه التفكير في ذلك ويسأل نفسه عن مصيره بعد الموت وعما إذا كان يوجد شيء تمكن معرفته بعدها. وقد أصبح من العسير عليه أن يتبين الجنود الذين كانوا في تلك اللحظات يتكتلون ضمن مجموعات ثلاث صغيرة أمام الأعمدة. وكان صوت الراهب الرتيب وهو يرتل الدعوات يقرع سمعه من بعيد قبل أن يطغى عليه صوت الضابط وهو يصدر أوامره إلى الجنود ف يعنف وقسوة. وإذا كان الصوت عاليا مدويا فإن إدراكه لم يكن بالشيء اليسير المثال.

وكانت هناك كنيسة تبعد حوالي مائتي متر عن ذلك الفناء وضوء الشمس ينعكس على قمتها فجعل يتأمل فيها كما لو كانت تلك الأشعة إشراق حياة جديدة بالنسبة إليه وكما لو كان سيفنى فيها بعد لحظة. وأصبح من الصعب عليه أن يصرف عينيه عن ذلك المنظر. فلما وقع بصره على الجنود مرة أخرى أحس بالاطمئنان العظيم يسيطر على نفسه وبالهدوء الشامل يتملك تفكيره الذي استأثر به التساؤل عن مصيره لو لم ينفذ فيه الإعدام بعد لحظة وردت إليه الحياة. إنه كان يرى أن آفاق العمل عريضة من حوله وأن إمكانياته عديدة بحيث يكون في متناوله أن يصير الدقيقة الواحدة قرنا وأن يحسب اللحظة الواحدة كما يعد البخيل كنزه وقد صح لديه العزم على عدم إضاعة ثانية واحدة من ذلك الثراء الزمني العريض.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٢٨