تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 83

قصص: أمام الموت

للقاصّ الألماني هورست غرنوالد

تعريب: عبد اللطيف الخطيب

كان السادس في صف المحكوم عليهم بالإعدام عندما نودي على كل منهم برقمه. وقد نظر إلى الأعمدة الثلاثة التي كانت تبعد عشرين خطوة ثم إلى الجنود الذين لم تكن تظهر على وجوههم إمارات التأثر فقال في نفسه انه سيموت بعد لحظات معدودات.

وكان شعوره بالحيرة والرهبة أمام هذا الشيء الجديد الذي يوشك أن ينزل به بضغط على حنجرته فيجعل تنفسه عسيرا شاقا. واقترب منه الراهب وهو يرفع الصليب إلى فمه فلاحظ أن شفتيه جافتان. أما صوت الراهب فكان ينتهي إلى سمعه كما لو قطع مسافات بعيدة من قبل. فلم تكن الكلمات قد احتفظت بقوتها حتى تؤثر ف ينفسه بحيث لم يكن يعيرها إلا اهتماما شاردا ذلك لأن التفكير في نهايته القريبة كان يستأثر بذهنه ولا يترك له من الوقت ما ينفقه في اعتبار الظروف الخارجية. أنه كان يشرف على توديع حياته ولا يريد أن ينساق على التفكير في تلك الكلمات الجوفاء أثناء اللحظة القصيرة الثمينة.

وسأل نفسه عما إذا كان له أن يتأسف على شيء فاقتنع بعد استعراض الذكريات أن تقويم حياته قد يكون احفل إذا هو رد إلى الحياة. وكانت الذكريات وهي شظايا وجود عاجل تعود إلى ذهنه فيرى نفسه طالبا بالمدرسة العسكرية للهندسة في سان بطرسبورغ ثم ضابطا في الجيش. أنه كان محقا في مغادرة الجيش ومصيبا في الانصراف عن دراسة لم يكن من شأنها إلا أن تخنق القوى التي كان يحس بها في نفسه. وسرعان ما أدرك أن الحياة بالنسبة إليه هي شيء يختلف تمام الاختلاف عن استخراج الجذور التربيعية.

ولم يكن قد استطاع لحد تلك اللحظة أن يتحرر من الشعور بالقلق والإحساس بأزمة ناتجة عن الحرمان والقصور عن إرضاء شهواته. انه كان يريد أن يستمتع بالحياة ويقبل عليها بكل قواه. إلا أنه كان يرتعش أمام ما كانت تتكشف عنه روحه فيفرغ لكتابة الصفحات ويستمر في الكتابة حتى ينسى الجوع الذي كان يأكل أحشاءه.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٢٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٢٧