تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أن حيرة الحوماني لم تكن نتيجة اضطرابه الشخصي من ذنوبه الخاصة فحسب، ولكنها كذلك نتيجة اهتمامه الدائم بشؤون الأمة التي أغرضت عن هدى الرسول وتخبطت في أودية الضلال، فقدت الحرية فارتضت العبودية، أمرت بالجهاد، فآثرت الخنوع، هذه الأمة التي أصبح حكامها وزعماؤها عناوين ما أصابها من أمراض خطيرة كبرى:

يا أبا المرسلين حسبك أنا

قد ضرعنا للسامري خدودا

لا تفاخر بنا فما نحن إلا

خول يعبدون حتى العبيد

إلى أن يقول:

ثم هانت نفوسنا فنسينا

تحت وطئ الهوان ذاك الوقيد

وتوالت سود الخطوب علينا

فصغرنا حتى صغرنا اليهود

ولكن كيف الخلاص وكيف السبيل؟ أن العصريين حينما يبحثون عن هذه الأدواء لا يلتفتون إلا للغرب وعقاقيره، مهملين العلاج الحق:

يا رسول الله ماذا نتق؟

بك إبقاء على ما قد بقى

سفهوا أحلامنا باسم الرقي

قتلونا عبيدا

لا نعي إلا جديدا

في هوى غض وخلق خلق

والآن جعل الحق طريدا

أما العلاج الصحيح فهو في صيدلية الرسول عليه السلام، ولذلك يذهب الشاعر يصف الدعوة المحمدية وما صارت به من ضروب الهداية ووسائل الإسعاد، وهذه الدعوة تنحصر في كلمتين، هما الحق والقوة. أو المصحف والسيف:

يا أبا المعجزين قلبا وعقلا

من نذيرين مصحف وحسام

أنت علمتنا الحصافة بالذكر وعز الحياة بالصمصام

ويشتمل الديوان على مقطوعات عظيمة في تمجيد النظام الإسلامي والدعوة إليه على اعتبار أنه هو الذي أصلح أول هذه الأمة وهو الذي يصلح آخرها.

أن ديوان الحرماني مجموعة بديعة من الشعر العبقري الذي يزينه الصدق، ويسمو به تمجيد الحق، (ومع تحفظي إزاء بعض الأبيات القليلة التي لا تتفق في نظر مع السلفية) فإني أهنئ أخي وصديقي الشاعر الكبير محمد الحرماني على ما أتاح الله له من توفيق في الاتجاه وفي الأسلوب، وإن ما نطق به من مدح لرسول الله لخير تقريظ له ولشعره وخير جزاء يمكن أن يلقاه ف يدنياه وفي آخرته، وحسبه أن يتملى بقول الشاعر القديم:

ما أن مدحت محمدا بمقالتي

لكن مدحت مقالتي بمحمد

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩١٤