وعصرنا اليوم يعتبر عصر الأسلوب، للكلمة فيه آثارها العظيمة في تثبيت العقيدة ونشر الفكرة، وقد انتشرت الخطابة والقدرة على القول الفصيح في كل الأوساط وأصبح كل واحد يهيم في واد، ولكن كلمة الحق بقيت غريبة يتجاهلها أعداؤها أو يلحدون فيها، ويتغافل عن أمرها أبناؤها أو يكونون حجة عليها، ولذلك فإن اتجاه واحد من أدباء العرب إلى سد هذا الفراغ يعتبر بشارة لها ما بعدها من قيام شعرائنا وكتابنا بأداء واجبهم الديني والقومي، وسد الفراغ الذي نجده في أدبنا المعاصر في هذه الناحية.
أما ديوان (أنت) فله على جانب ما سبق، قيمته الفنية التي سنكتفي بالإشارة لبعضها الآن:
لقد تفوق الشاعر في الحديث عن نفسه والتعبير عن مآسيه الداخلية التي شغل بها زمنا، وعن الحيرة التي أحاطت به من كل جانب، والظمأ الذي أصبح بجده منذ اتجه نحو نشدان الحقيقة المحمدية وإشعاعاتها، وعن رواسب ذنوبه التي ظلت تعوقه عن ورد ينابيع الفيض التي يراها ماثلة أمامه وهو متقاعس عنها:
ظمآن أنشد ما يبل فمي
ويكاد يشرق في فم الديم
اظمأ وملء يدي آنية
ملأى تشب النار ملء دمي
ظمآن يا رب اسقني بيد
عصماء لم توصم ولم تصم
بيضاء لم تقبض أناملها
إلا على فيض من الحكم
إني لآلم كلما منيت
نفسي بجرح غير ملتئم
يا رب أحمد جل بأحمد في
نفسي وطهرها من الألم
نعم كيف السبيل إلى الخروج من هذه الحالة؟ نذير العقل يدعو، وخيالات الصبا ترد، وشهوات النفس الأمارة تغري، والشاعر يتأرجح بين بواعث النفس ومطالب الروح، بين الحياة والموت، والموت والحياة، ولنستمع لهذه الأبيات الفذة التي تصور كيف يفني الإنسان وهو ينعش نفسه بصهباء يستقطرها من اليدين البضتين لحبيبة يهواها، ويعصر أمانيه اللذيذة على نهديها فإذا به يستيقظ أمام الحقيقة وهي أنه كان يلفظ بقية رمقه:
يا خيلا يميتني كلما ذقت حـ
ـياتي على يدي عذراء
أتلظى من الظمإ وأراني
استقي منهما دم الصهباء
وكأني وقد عصرت أماني
على نهدها لفظت دمائي
أما الذكريات فهي المأساة العظيمة التي يحس بها الحيران، إنها الشريط الذي والهوى ملء يديه، وهو لا يبالي أي الآثام ارتكب، ولا أي الهواء اتبع، يوم لم يكن له من أمل، إلا عذراء يصلها، أو صهباء يحتسيها، أو ندامي يسمعهم أناشيده الغرامية في حواء وأخواتها، يا لهول الشريط، أين الربيع الزهو وأين الأيام المثقلة بالأحلام؟.
يا لذكرى أيامي الهوج في ظـ
ــل شباب كالزهر في الأكمام
حافل بالجلائل الغر من كفرى
وبالتافهات من إسلامي
أثقلت كاهلي به نزوات
عصفت بالجليل من أعوامي
كل ما أرتجيه مندحر خلفي
وما عض ساعدي أمامي
ولكن ماذا ينشد الشاعر بعد هذا؟ لقد أظمأته الصهباء ولم يطف نهمه استقطار يدي العذراء؟ فما هو الرحيق الذي يرد غلته، يجيب عن ذلك إذ يقول:
خمرة يعكف الخلود عليها
في غدو ومن كونه ورواح
خمرة لا لماء كرمة ينميها
أبوها ولا لماء قراح
والجميلات ماذا دهاهن؟ لقد شغل عنهن الشاعر بجمال ينطقه فيقول، ويحركه فيسير:
الجمال الذي يهيب بأفكاري إلى أن تقول لي فأقول والجمال الذي يسير مع العقل حقيرا ويستقل جليلا الجمال الذي سقاني -فعربدت وما صفقت يداي-
شمولا
والذي يكشف الغطاء لنفسي
فأرى كل عاقل معقولا