تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 68

مطالعات وآراء: مع الشاعر الحوماني في ديوانه "أنت ... أنت"

للزعيم الأستاذ: علال الفاسي

يستحق الحوماني اليوم أكثر من كل وقت، من أدباء العرب ومن المسلمين جميعا كل تقدير وتكريم. لأنه قد عرف كيف يخلص نفسه من ترهات الزمان وسفاسف أهله وكيف يحلق عاليا في الفضاء بأجنحة الطهر لينشد الحرية ويبحث عن الجمال ويكرع من يتابع المعرفة، فديوانه الجديد ف يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يعد تحفة فنية فحسب، ولكنه إلى جانب ذلك ثورة قام بها الشاعر ذاته على نفسه وعلى هواء عصره ومغربيات جيله، وهو دعوة صادقة لنا جميعا لنحذو حذوه ونلجأ لنبع الصفا ومورد اليقين محمد عليه السلام وإلى تعاليمه الخالدة التي فيها وحدها خلاصنا في الآخرة والأولى.

وقد كتبت مرارا اشتكى من أعراض الأدباء المسلمين عن تكوين أدب إسلامي عصري يسد حاجة الشعب المؤمن، ويخاطب قلبه، فيقوي إيمانه ويجلي إزاءه جوانب الطهر والسمو في تعاليم النبي وفي سيرة وسلوك البررة من أصحابه، مع بعد عن الجدل والبحث العلمي اللذين لهما مواطنها الخاصة. وقد ضقت ذرعا بطائفتين من الأدباء:

إحداهما لا تكتب عن الرسول أو عن الإسلام إلا وتركت أبرز الجوانب وأهم الأحداث، وانصرفت إلى بعض المشاكل أو الشبهات التي شغل بها الكثيرون منذ عهد طويل تحييها وتعيد النظر فيها ومناقشتها والجواب عنها وتملأ بكل ذلك الصفحات وتشغل نظر القارئ بما لا يزيد في نفسه يقينا ولا يعمر قلبه بنور.

أما الثانية فهي تلك تكتفين حديثها عن الرسول أو عن دعوته بنقل كل ما أطلعت عليه من أقوال المنصفين من فلاسفة الغرب وأدبائه، تشهد بعظمة النبي، وبعبقرية الدين الذي جاء به. وما ذلك إلا دليل على عقدة النقص التي تملأ نفوسهم، وضعف الإيمان الذي يعمر جوانبهم، إنهم يخافون متى تحدثوا عن نبيهم من غير استعانة بالأوربي أن يتهموا بالرجعية أو يوصفوا بالجمود على القديم، ولو عقلوا لرددوا مع الحوماني قوله: «حبذا الرجعي إلى الهادي قلوبا وعقولا».

على أن أدباء المسلمين القدماء لم يهملوا جانبا من الجوانب التي يجب أن يتناولوها، بل أعطو كلا منها حقه، ومهدوا سبيل الأخذ به والعمل فيه، فبينما كان فريق منهم يشغل وقته بدفع الشبهات ومقاومة أهل الأهواء، ومجادلة المخالفين بالتي هي أحسن، إذا بفريق آخر يكتب للمسلمين ليشرح محاسن دينهم وفضائل نبيهم، والإشادة بها، والحث على إتباعها، بأسلوب من الشعر والنثر يحببها للنفس ويزرعها في القلب، وفي كتب البقلاني والقاضي عياض ما يمثل للفريقين معا.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩١٢