في ميدان الكفاح بين الشقاء من جهة، وإلى عزل الجزائر -قلب هذا المغرب النابض- والاحتفاظ بها كجسر .... عندما تتم الأمور على ما يرام. ولكن في هذه المرة -كذلك- فشلت خططهم العتيقة وخاب سعيهم، وخرج جناحا المغرب العربي سالمين مكرمين، يؤازران القلب المكافح ويمدانه بكل ما في استطاعتهما من وسائل وتأييد في جميع الميادين ...
رفرف الجناحان (في حفظ الله) وبقيت الجزائر تصول في الميدان، صامدة في وجه الاستعمار الفرنسي الذي أدرك أن الأمر جد، فحشر ما استطاع من القوة المدججة بأحدث الأسلحة التي أخرجتها مصانع الحلف الأطلسي، واستعان بأحدث الخطط الإبادية التي تفتقت عنها أدمغة الاستعماريين الفرنسيين ومن سبقهم من النازيين والفاشستيين ... وزادت الجزائر الأحداث المختلفة، قوة في الصمود، وعنفا في النضال من أجل الكرامة والحرية والاستقلال، معتمدة -بعد الله الكريم- على جبهتها وجيش تحريرها، وعلى أشقائها في المغرب وتونس، وكافة أبناء العرب، شاكرة لإخواننا الإفريقيين والأسيويين مواقفهم الإنسانية وتأييدهم الأدبي ... في الوقت الذي يبدأ فيه الشعب الجزائري كل ما يستطيع من تضحيات غالية، ودماء غزيرة، شارك فيها بسخاء بناته وأبناؤه ونساؤه ورجاله وشيوخه وشبابه ... كان الجانب الفرنسي رغم ما اتسم به من فخفخة وكبرياء، ورغم ما استعمله من قسوة ووحشية لم يعرف التاريخ -في أيامه المظلمة- مثيلا لها من قبل، أقول كانت حكوماته تتساقط كأوراق الخريف .. وكأن الديموقراطية الفرنسية نفسها -التي كانت على عهد الحرب الصينية تكثر من الإضراب والمظاهرات- انكشفت حقيقتها، وانفضح أمرها، فتمسكت بجانب الصمت والجمود أمام هذه الحرب الإجرامية التي يكابد قساوتها أبناء الجزائر من أجل رفع لواء الحرية وتقوية سواد الديموقراطيين في أنحاء العالم ... ولكن الديموقراطية الفرنسية لقيت الجزاء العاجل مقابل تخاذلها، وتنكرها لمبادئ -حقوق الإنسان، وتحطيم الباستيل- التي كانت تتغنى بها، وذلك حينما حطمت الجزائر (العزلاء) إلا من إيمان أبنائها «الجمهورية الرابعة» وبرز دوكول إلى الميدان أثر حوادث 13 مايو المعروفة ووعد -كزملائه من قبل- بسحق الثورة الجزائرية إن لم يكن في أيام معدودات، ففي بضعة أشهر على الأكثر ... ومرت الشهور تلو الشهور والثورة الجزائرية تزداد قوة كل يوم، وتكسب أنصارا جددا كل أسبوع. والجنرال الفرنسي -المقام- يبذل كل ما تصل إليه يداه من عتاد ورجال، وحتى الجنرالات.
وأخيرا وبعد خمس سنوات قطعتها الجزائر كلها في قتال مرير، وصراع حاد، تنذر في كل لحظة بخطورة انتشار الحرب -الحرب القاسية- على جوانب البحر الأبيض المتوسط وبعد أن اكتوت حدود القطرين الشقيقين بلهيبها ... واستنكر الرأي العام العالمي مشروعيتها والكيفية التي تتابع بها ... وعجز جيش (شال) و (ماسو) عن إخمادها .. تتقدم الجنرال دوكول بعرض 16 سبتمبر 1959م بعدما مهد له طويلا ... فإذا به عرض هزيل تسيطر على فقراته الروح الرجعية الفرنسية، وتتسم جمله بالحيلة والخداع التقليديين يرمي من ورائه إلى إصابات عصافير -لا عصفورين فقط- بحجر واحد ... غير أن الحكومة المؤقتة لجمهورية الجزائر كانت له بالمرصاد، ففضحت الدسائس المنطوي عليها هذا العرض، الذي اقتضى من الجنرال ومؤيديه -بل وحتى حلفائه- وقتا طويلا في الاستشارات والتحرير ...
وهكذا تقدمت الحكومة الجزائرية الفتية -في وحدتها الترابية، الصحراوية والتلية، بحدودها الطبيعية، ويؤكد بأن الشعب الجزائري- وحده