تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 63

الجزائر في طريق الاستقلال: الثورة الجزائرية تستقبل عامها السادس

بقلم الأستاذ: محمد المحفوظ

في مطلع شهر نوفمبر 1954 انتفض المغرب العربي -من أقصاه إلى أقصاه- انتفاضة قوية، هزت كيانه هزا عنيفا، لم يشهد مثلها منذ قرون خلت ... بعد فترة قطعها في سبات عميق ونوم مخجل تارة وتفجع وحسرة وبكاء تارة أخرى .. كانت تتخلل هذه الفترة -فترة النوم- بعض الانتباهات الموضوعية ولكنها سرعان ما تتلاشى وتخبو، نتيجة للقمع الصارم الذي كان يصب بدون هوادة على الجزء المنتبه خصوصا، والإجراءات الصارمة التي تسلط على (الكل) عموما، وهكذا دوليك خلال فترة الغيبوبة ...

بيد أن الانتفاضة الجماعية -هذه المرة- كانت من أول ظهورها تصطبغ بالجد، وتتسم بالعزيمة الفولاذية، وتتميز بالصمود الجبار الذي صاحبها من أول وهلة، معلنا تكتل الشعب ومؤازرته للقائمين بأمرها في جميع الميادين، الشيء الذي جعل الاستعماريين الفرنسيين يفقدون من أول يوم كل اتزان، ويتناسون كل منطق وصواب، فأصبحوا يخطبون خبط عشواء -كما يقولون- فيصبون جام قمعهم ووحشيتهم على الجميع، السائرين في ركابهم كالخصوم سواء بسواء، واستبد القلق والهلع باستهم وأولي الأمر فيهم إلى التفوه بتصريحات متضاربةـ ونشر بلاغات ينقض آخرها أولها جهلا منهم وغباوة -أو تجاهلا وتعنتا- بأن أشبال المغرب العربي، وأبناء الأطلس ثأرت في دمائهم نخوة العروبة وشيم الأمازيغ فضاقوا برعونة الاستعمار الفرنسي وكثرة وعوده (الممتزجة) بالمن تارة والتهديدات والوعيد أخرى ...... واشرأبت قلوب الجميع على غسل عار دام طويلا، وطرد الغاصبين من الديار.

واستمرت المعركة في هذا الجزء من أرض القارة الإفريقية، إزاحة لنظام غير طبيعي، فارضا نفسه بقوة المدافع والحراب، متجاوبة في انسجام من (وادي زم) إلى جبال (الأوراس)، ومن منزل (تميم) إلى (الصبابنا) بشنها أحفاد عقبة وطارق، والمولى اسماعيل والأمير عبد القادر ضد مرتزقة (بيجو) و (ج. فيري) و «اليوتي» المعتدين. يشنونها بكل شدة وقوة، في شجاعة نادرة، وبطولة خارقة، أدهشت حكومة باريس في (ايليزيها) فارتجفت هناك هلعا، وضربت أخماسا في أسداس، علها تعثر -كالماضي- على حل ولو مؤقتا، يقيها شر الكارثة، ويبعد عنها عار الهزيمة المحققة، ولو إلى حين ...

ولم يعد شياطين (الكي دورسي) حلا ... وبادروا حينا إلى مساومة جناحي المغرب العربي بأسلوبهم التقليدي المعروف بالخبث والخديعة، والمتميز -دائما- بالتفرقة والوقيعة ترمي من وراء هذا السعي إلى (تفتيت) الوحدة الرائعة التي تجلت

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٠٧