تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعبارة «العقل» عند رواد مدرسة الجاحظ المعاصرين مبهمة غامضة الخطوط في فن البلاغة، فهي لا تفصل بن العقل والذوق، ولا بين الفكرة والكلمة، فالعرب واليونان وضعوا خطوطا فاصلة بين المنطق والفن، فجعلوا الفن من نصيب البلاغة، لأن موضوعها النفس الحساسة والقلب المتأثر المتكسر، وقد كان للبلاغة مذهبان، مذهب الفلاسفة، ومذهب البيانيين والخطباء، ولعل أول من درس البلاغة على نحو يشبه الفن -وهو غير عربي- هو عبد الله بن المقفع، فالتأثير في العقول من عمل الموهبة «المعلمة» والتأثير في القلوب من عمل الموهبة «المؤثرة» ووظيفة البلاغة هي الإقناع والمتعة من طريق الأثر النفسي ليس إلا.

فأنت ترى أن مدرسة البيان تنكر هذه الدراسة التقنينية في إطار علم المعاني الذي أشاعه السكاكي، ولم تتلمس البلاغة في الألفاظ وحدها لأنها داخلة في حيز الأصوات كما يقول ابن الأثير، فاحتجنا إلى درس اللفظية في انسياب الصوت، ونقدها في انسكاب الجرس، وربما كان الصوت فاصلا في حياة الكلمة -أي كلمة-. نحن نميل بإحساسنا ونطرب لصوت البلبل والشحرور، ونستهجن صوت اليوم والغراب، وهذا هو موضوع البلاغة بالذات، أما استخلاص المعاني فهو بالذكاء لا بتعلم العلم، فكلنا ندرس مادة ما في المدرسة ولكن واحدا ن زملائنا سيتيح له ذكاؤه الحاد في تحطيم الأرقام القياسية والتفوق علينا، ولابن الأثير رأي وجيه في هذا الموضوع (3) وكم كان بودنا أن نعرض له بالتفصيل، ولكن هذا اللون من المناقشة تضيق به حياة المقالة. إن البليغ تجيش في نفسه -لا في عقله- خواطره ومعانيه فيصبها في لفظ مطروز بالوحي، يعلم انه يرضي عاطفته وعواطف الناس حين ينقل إليهم تجربته الشعورية. والفصاحة هي المقياس الوحيد للجمال، وهي من اختصاص اللفظ المتفجر المشحون.

فطائفة الذوقين تتألف من الكتاب والشعراء والنقاد الموضوعيين، وبلاغتها هي ذلك الإنتاج العربي الخالص الذي لم يكن لدرس الإنشاء فيه أي نصيب. فهو من نصيب الأصوليين والكلاميين، والسيوطي يصف طريقتهم بأنها «طريقة العجم» أو هو تمرة للفلسفة اليونانية التي طغت على الفن، فقننته طائفة الكلام في منهجها العقلي الذي جعل البلاغة موضوعا للصحة والخطأ كالمنطق تماما. ونحن نعلم أن قواعد الصحة والخطأ من اختصاص المنطق.

وغريب منطق هذه المدرسة فأين أصالتها في منهج البحث أو أين أصالة الإنشاء في تقنيناتها المتحجرة؟ نحن ننكر أيضا أن يكون بلاغة من البلاغة أو فنا من الفن، لأنه أعجمي الأصول والمنهج، عني به أصحاب العقلية المتفلسفة في بحث المعاني على أساس المناسبة ومقتضى الحال، الذي كان شائعا عند أرسطو، منهج هؤلاء المتفلسفين في درس البلاغة لا يستمد أصوله من صميم الفن العربي. وإذا كان هذا هو موضوع البلاغة فأين هو عمل البليغ فكل جملة في هذا الوجود تفيد معنى وفائدة، وكل كلام يحمل فكرة ومعنى.

فالمنهج جامد وعتيق لا أثر للفن في بلاغته ولا أثر للبليغ من حيث هو فنان، والمنهج أيضا يقدم علم المعاني على البيان لأنه بمنزلة (المفرد من المركب) قد تكون المعاني ولا يكون البيان، والمطابقة ومقتضى الحال في خرافة هذا المنهج يقرها علم البيان. ونحن حين نقول علم المعاني أو علم البيان إنما نشوه صورة الفن في البلاغة.

وبلاغة «المعاني» لم تنشأ إلا في المناطق الشرقية للدولة الإسلامية التي تسودها العجمة. والزمخشري والسكاكي والتفتازاني أنشط أعلام هذه المدرسة وأقدرهم لإخضاع البلاغة إلى المنطق في هذه الناحية، فقد عالجوا المعاني وعالجوا البيان في نطاق الخبر والإنشاء فعقدوا أبوابا للخبر والإنشاء وجمدوهما في تقسيماتهم تلك التي قصمت ظهر الفن في البلاغة، وما زالت الطابع الوحيد لمدارسنا التعليمية حتى الآن.

(3) المثل السائر ص 45.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٠٦