تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

جمد المعتزلة بها دم البلاغة وشباب الفن؟ هل هو علم أم فن؟ وأخيرا هل الإنشاء بلاغة أم فلسفة؟. لا نجد خصومة ما حول هذا الموضوع بالذات بين نقاد المدرستين القدامى، لأن المدرسة الأدبية لم تدرسه، بل هي لم تعرفه البتة، فهو غريب عنها، وافد عليها من ثقافة اليونان وحضارتهم عن طريق المعتزلة، وهو لا يمت إلى البلاغة بصلة من الصلات.

والمدرسة الأدبية لم تدرس الإنشاء فعلا لأنه ليس ذوقا ولا يمس الذوق من قريب أو بعيد، وهو معنى من المعاني، والمعاني موضوعها العقل، أمما الذوق البلاغي فموضوعه «الذائقة الفنية» نحن نفسر قصور المدرسة الكلامية في إبراز الفن البلاغي إلى ظاهرة غريبة، غريبة بالفعل، ولكنها كانت واقعا من الواقع، هذه الظاهرة هي أن أصحابها أعجام وافدون، ينقصم الإحساس بالجمال والطاقة التاثرية لجرس الكلمة البليغة ووقعها في السمع والعاطفة والقلب، ولذا حاولوا درس البلاغة من ناحية عقلية، وعنوا بالإنشاء في علم المعاني حين لم يوفقوا لدرس البلاغة من نواحيها الذوقية. الإنشاء في إطار علم المعاني غير عربي في منهجه لأن دراسته غير عرب، وبيئتهم غير عربية، وتجاربهم الحسية لم تتعود خصائص العربية، ولذلك عالجوها بالروح الفلسفي.

يرى ابن خلدون أن الملكة التي تؤهل الإنسان لتذوق البلاغة إنما هي في اللسان من حيث هو موضوع للتعبير.

فالبلاغة عنده ذوق وإحساس. والإعجام من الفرس والروم والبربر قليلو الحظ من هذا الذوق وذلك الإحساس، في البلاغة من حيث هي صوت وجرس وموسيقى، يقول: «إنما لهم في ذلك ملكة أخرى، وليست هي ملكة اللسان المطلوبة، ومن عوف تلك الملكة -ولعله يقصد أصحاب المدرسة العقلية- في القوانين المسطرة في الكتب فليس من تحصيل الملكة في شيء (2)».

وإذا كان الإنشاء كما قلنا معنى من المعاني فهي موجودة في كل وعاء فكري وهي: «واحدة في نفسها» وبلاغة اللغة إنما تكون في جودة الكلمة ذات الطاقة المتفجرة، واختلاف هذه الجودة قوة وضعفا وخصوبة وجدبا. ومدرسة الجاحظ لم تلتمس البلاغة في معاني الإنشاء قديما وحديثا، ولم تحاول أن تضع يدها على هذا اللون من الدراسة قديما وحديثا، لم يلتمسها الجاحظ وابن المعتز وأبو هلال العسكر قديما، ولم يلتمسها ابن الأثير في القرن السابع ولا أمين الخولي والزيات وطه حسين وابراهيم سلامة وغيرهم في العصر الحديث، وإنما التمسوها في الكلمة وبيانها وقدرتها على تصوير الأحاسيس الفتية من حيث هي إيقاعات صاخبة حينا ودافئة أحيانا، موضوعها الوجدان والعاطفة، وما دامت البلاغة فنا ذوقيا فيجب أن تستمد التغذية والحرارة من العاطفة والوجدان.

وهو ليس ببلاغة لأنه ثمرة العقل أو هو ثمرة العلم، ولأن المتكلمين والفقهاء والفلاسفة لم يتزودوا بالتغذية اللفظية أو المادة الخام، ذلك أن مصطلحات العلم والفقه والفلسفة أفقدت الباحث في موضوع البلاغة روح الإبداع، فالجرجاني لم يتعرض له في دراسة المعاني لأنه يرى البيان «أرسخ علما وأعذب وردا» وأن المذاهب الفلسفية هي التي حللت الذوق الفني في البيان العربي، وهو أيضا يتهم رواد المدرسة الكلامية يجهل خصائص البيان في الشعر حين ساء فهمهم للشعر (ديوان العرب ومورد الفصاحة).

والإنشاء في ضوء المعاني العقلية عند أبي هلال العسكري قواعد يعرفها الناس على اختلاف أجناسهم وحضارتهم فهو فوق القبح والجمال شيء يخضع للقوانين البديهية في التفكير العام. وموضوع القبح والجمال إنما يكون في الألفاظ، أما المعاني فمنسوجة وقديمة «الخلق» وإثمها على أصحاب المذهب الكلامي. (الصناعتين ص 57 - 69).

فالإنشاء أو علم المعاني على العبارة الصحيحة ليس من بلاغة العقل العربي، لأنه لم يدرسه الجاحظ وابن المعتز ولم يشمله منهج أبي هلال والجرجاني، ولم يكن له نصيب من جهود المعاصرين الذين يقدمون الذوق على القاعدة المقننة. هو ليس من بلاغة العرب، لأنه لا يمثل حضارتهم الفكرية، ولا يستمد أصالته من نتاجهم العربي، وإنما هو يمثل حضارة وافدة كاسحة، يمثل عقلا يونانيا ومزيجا من الفتنة، فاستنسخه الأصوليون وأهل الجدل والمناطقة، وجعلوه شيئا يشبه البلاغة.

(2) المقدمة لابن خلدون ص 563 ط، بيروت.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٠٥