السكاكي، فهم من غير شك تلامذة لهذه المدرسة، لأنهم نحوا في فهمه ودروه هذا النحو الفلسفي، ونحن نعطي كتابي «الخواطر الحسان» و «البلاغة الواضحة» مثلا لهذه التبعية الخالصة في درس الإنشاء.
جبر ضومط المتوفى سنة 1929 من كتاب البلاغة المعاصرين، يرى أن البلاغة كانت خالصة لإعجاز القرآن أكثر من خلوصها للدب والفن، وعلى الرغم من أن هذا الرجل حاول أن يدرس البلاغة من أن هذا الرجل حاول أن يدرس البلاغة مذهبا للبيان العربي فقد سار في درس الإنشاء مثلا على الأسلوب التعليمي في إطار المنهج الذي وضعه القدامي، فالكتاب إضافة للكتب الكلامية الماضية، ورأي الرجل امتداد لآراء المدرسة. فهو يربط الصلة بين النحو والبيان والمنطق، بل هو يعترف أن هذه العلوم الثلاثة أصول مشتركة وصلات وثيقة بعضها ببعض، لأنها امتداد للثقافة الإغريقية القديمة. بل هو أيضا يسمى علماء البلاغة بالفلاسفة، فهو لم يستطع أن يتحرر من قيود المدرسة في تعريف الجملة الإنشائية. يقول: «هي ما لا يتبادر معها إلى الذهن عند أول سماعها احتمال الصدق أو الكذب، نحو: من أين أتيت؟» أنواع الإنشاء خمسة تماما كالتقسيم المدرسي. وقد زعم أن محاولته خالصة للفن البلاغي، إلا أنه ذهب مع الريح، ريح المعتزلة، فلم يملك إلا أن يسمح جهوده بمسحة كلامية، هو لا يشترط إمكان المتمنى وهذا بالضبط تعريف التفتازاني الإنسان بطبعه يحب المحال أحيانا ويركض وراء المجهول. فقد يكون هذا المحال ممكنا في هذا المثال الذي يعطيه جبر ضومط:
ليتني في المؤذنين حياتي
إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم
بالهوى كل ذات دل مليح
فأنت ترى أنه لا يبتعد عن قواعد المدرسة طويلا، فالتمني هو طلب المحال، والمتمني محال أو كالمحال، ولكن الذي يقوده إلى التقييم الفني هو هذه الشواهد التي تتناقض مع قاعدة المحال عند رواد المدرسة.
فالمدرسة أخذت على نفسها أن تجعل البيت المشهور:
ألا ليت الشباب يعود يوما
فأخبره بما فعل المشيب
مقياسا لاستحالة المتمنى وفلسفته على نحو مقنع، فهو قد ترك هذا المثال الذي تستحيل معه عودة الشباب إلى هذا الإنسان الطاعن إلى مثال من أمثلة الفن البلاغي، فالشاعر يتمنى لو وقف حياته على صومعة ليبصر من في السطوح فيشير أو تشير إليه حسناء تسحب في خيلاء ذيلها العطر، فيرضى الحب لقلبه والتنسك ليدنه، ولا ضير على قلبه أن يجتمع فيه الحب والدين. فأين هو هذا المحال عند صاحب الخواطر؟ عن لم يكن في المتناول، فهو طيع الإمكان، وهذا بالطبع جهد مرتبط بالفن يجعل قضية المحال من خرافة الميتافيزقا، وحتى عدم الإمكان عنده موضوع لأسس نفسية ما كان ينبغي للعقل أن يجمد حيويتها وحرارتها، وبالرغم من هذه الطراوة التي يصبها في خواطره الحسان فلا يوجد حاجز بينه وبين السكاكي سوى الفروق التاريخية.
ويسير على الجارم في «البلاغة الواضحة» على النحو الذي سار عليه المحدثون والقدماء، وينهج منهج المعاصرين الذين درسوا البلاغة في دورها التعليمي الناضج على أساس النزعة السكاكية، فصاحبنا يدرس الإنشاء على النحو المعروف ولم يعنه من أمر البلاغة شيء جديد سوى هذا الاختصار الذي يتطلبه كتاب تعليمي كهذا، فالهمزة عنده للتصور، وهل للتصديق، كالمناطقة الإسلاميين والمدرسيين من أهل البلاغة تماما، ولكن الذي يمتاز به هذا الكتاب هو هذه الشواهد ذات الحرة والارتعاش، التي حاولت القضاء على رواسب الخريف في قواعد السكاكي تلك المتجمدة، وبشرت ببعث أدبي جديد بتلك الخصوبة وذلك الإثراء، وهو من غير شك قد آثر الوجهة الفنية ووفق إلى حد ما، ولكنه على أية حال إن كان عربي الشواهد والعرض والاختيار فهو أعجمي القواعد والمنهج.
وبعد، أي المدرستين أجدى على البلاغة؟ وأيهما أميل إلى البلاغة؟ هي هذه المدرسة التي أسميناها مدرسة الجاحظ والتي لم تعط لفن الإنشاء قيمة الدرس ولا أتيح لروادها أن عالجوه في نتاجهم خلال عصور البلاغة؟ أم مدرسة السكاكي التي عنيت بهذا الموضوع عنايتها بمختلف القواعد البلاغية كما رتبها المنهج الكلامي؟ وما هو الإنشاء؟ أهو فيض من الفن يضفي على حس الدارس وعاطفته الرهافة والإيحاء فيما ينتجه ويستهلكه من قول جميل؟ أم هو قواعد عقلية