تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو ثمرة من ثمار الفلسفة، أو هو ثمرة من جهاد المعتزلة، وسنعرض له كما يراه السكاكي أو كما تراه الفلسفة على يد السكاكي.

فهو قد قسم «علم المعاني» إلى قوانين ودعا الإنشاء «قانون الطلب» ولم يسمه إنشاء، ويظهر أن هذه التسمية متأخرة كما سنراها عند الذين تأثروا بمنهجه، وهو أيضا قد رتب القانون أبوابا خمسة واصطلح لها بما هو معروف في كتب البلاغة -والذي يثيرنا إلى المناقشة هو أن الرجل عالج الموضوع بأسلوب الفلاسفة أو المتأثرين بالمنطق والفلسفة على الأقل، الإنشاء عنده لا يصح إلا في نطاق التصور وهو يتطلب فكرة غير حاصلة وقت الطلب قد تكون مثبتة وقد تكون منفية، ولكن خواطر الفكرة تمر في أذهاننا فقط، وهو أيضا قي عمق المتفلسف يسلك تقسيمات عقلية معقدة، الطلب يكون حصولين اثنين في الذهن أو في الخارج، وهذا هو مذهب المناطقة الصوريين أعمله في رقاب الفن فماتت بعض فصول القصة من حياته، وأنت تستطيع أن ترجع إلى مفتاحه في البلاغة فتجد هذه الفتنة العقلية قد آثرها ويؤثرها التلامذة من بعده، خط عرض يسير عليه الجميع، حتى النحاة أنفسهم، لون من المناقشة واحد وأمثلة آثرها السكاكي وسيعطيها التفتازاني والخطيب القزويني وابن هشام النحوي (1). هذه الفتنة سيهيم بها النحاة فيدرسون النحو على ضوئها، أو تتقمص هي شخصية النحو فيصبح منطقا للنحاة أو نحوا للمناطقة كما يسميه النقاد المعاصرين.

هذا هو السبيل الذي سلكه السكاكي في بلاغة الإنشاء، وهو بهذا قد فتح مدرسة فلسفية جديدة سيتهالك عليها الدارسون حتى وقتنا الحاضر. سيتأثر به أحد رجالات القرن السابع الهجري وهو قريب منه في المذهب والفترة التاريخية وهو أيضا معتزلي صميم، انتهى من كتابه «الأقصى القريب» في حدود 692، ذلك هو التنوخي الذي زعم أن كتابه إنما يتناول علم البيان، وهو يكاد يكون منطقا بحتا أو يشبه المنطق، وهو نفسه يعترف أن النحاة قريبو الشبه بالمناطقة في الاتجاه العقلي، فهم لا يختلفون إلا في وضع المصطلحات أحيانا، الجملة عند النحاة هي «القضية» عند المناطقة، غير أن هؤلاء يبحثون الألفاظ تابعة للمعاني وأولئك يبحثون المعاني تابعة للألفاظ، ووضع الصدق والكذب في القضية المنطقية ذات الموضوع والمحمول هو الوضع نفسه في جملة المبتدأ والخبر في النحو.

فأنت ترى أن الفلسفة قد ابتلعت البلاغة والنحو أو ابتلعت البلغاء والنحويين جميعا حتى أصبحوا يقابلون ضمير الفصل عند البصريين والعماد عند أهل الكوفة في المثال الآتي ك أنت -هو- المغربي «بالرابطة المنطقية بين الموضوع والمحمول: أنت-تكون-مغربيا» التي تختص بها اللغات الهندية الأوربية: You (are) Moroccan وتشيع مدرسة السكاكي في المناهج التعليمية عند البلاغيين أو المتكلمين على الأصح، فيظهر شيخ آخر من شيوخ البلاغة أو شيخ من شيوخ المعتزلة وهو الخطيب القزويني، فهو قد لخص رأي السكاكي في البلاغة ولم يأت بجديد يذكر، ولم يضف على قواعد السكاكي أي فيض، بل هو لم يخط بالموضوع أية خطوة، فهو قد عني بتلك الاجتهادات المذهبية التي نفض الشيخ منها كلتا يديه، سالكا سبيلا سلكه أبو المدرسة قبلا، وسيكررها السعد التفتازاني (791) في مختصره، ونحن لا نتتبع بالتفصيل طريقة السعد لأنها مجهولة وغير مفضية إلى قاعدة وفيها كثير من اللغو وكثير من التعقيد وكثير أيضا من المنطق الصوري، وإنما نشير إلى أنه درس البلاغة على نحو منطقي تمشيا مع الوحدة العامة التي آثرها المعتزلة في العقيدة وجهود البحث، فهو يعالج موضوعا في البلاغة قد عرض له بالدرس منطق الإسلاميين القدامى، ويعتبر عصر التفتازاني فترة إرساء وتجميد لقواعد الإنشاء في علم المعاني التي تسلكها المدارس التعليمية في فن البلاغة ليومنا هذا.

كانت البلاغة على عهد الجاحظ (تقوم على الدراسات التحليلية للجمال الفني في نطاق مذهب يشبه مذهب النقد أو هو النقد نفسه، لاستخلاص اللذة الفنية من جيد النصوص من ذلك الكلام الوحشي البارد، ثم هي كانت من بعد وسيلة فنية لإدراك الإعجاز أولا، ثم وسيلة منطقية لفهم هذا الإعجاز على يد المعتزلة ثانيا، ووصلت بلاغة المعاني إلى الدارسين المعاصرين كما فصلها السكاكي، فلم يحيدوا عنها بل هم قد عكفوا على نسخها -عن جازت هذه العبارة- فكان إنشاؤهم امتدادا لذلك الإنشاء الذي أرست قواعده كما قلنا مدرسة

(1) انظر مفتاح العلوم 148 ط. الحلبي. وكتاب المغي ج 1 ص 16 ط الحجازي.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٠٣