تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والنثر -متناقضة أو مخطوءة أو كاذبة- متأثر بقدامة ابن جعفر في منهجه للنقد، فهو لاشك قد- تأثر برواد العقل، فوضع بعض قواعد المنهج الذي سيعتمده الجرجاني، ولكنه بحث البلاغة في ضوء الصناعة اللفظية، وأن عرض للمعاني فمن ناحية نفسية لا أثر للعقل فيها.

وفي منتصف القرن الخامس ظهر الجرجاني (471) وابن رشيق وابن سنان، فحاولوا درس البلاغة على أساس ذوقي، غير أن قضية الإعجاز لونت هذه الدراسات تلوينا عقليا عند الجرجاني خاصة، فجعل الفن أيضا وسيلة لا غاية، جعله وسيلة لفهم الإعجاز وجهادا أدبيا لإحباط خصوم القرآن، وعلى هذا الأساس وضع كتابه «دلائل الإعجاز» فهو قد أطلع على كتاب الخطابة أو اطلع على موضوع «العبارة» على الأقل فكان من نتيجة ذلك أن قسم المجاز إلى مجاز لغوي ومجاز عقلي؛ ومجاز أرسطو هو الذي يسميه الجرجاني: «بالمجاز المرسل» و «الصورة» عند أرسطو أيضا هي التي يسميها بالاستعارة، فالجرجاني لم يضع لكثير من قواعد المعاني وخاصة الإنشاء، ولكنه مهد له، فقد انحطت فنون البلاغة بل فقدت مادة الذوق في بداية القرن السابع الهجري بعد أن بلغت بعض درجات الكمال في نهاية القرن الخامس ثم تجمدت، ذلك أن الجرجاني نفسه عني بالاستفهام الذي سيكون أحد أنواع الإنشاء، وأسبغ عليه -وهو يدرس أثره في الجملة لونا أشد صلة إلى الفلسفة منه إلى الفن.

وفي أوائل القرن السابع يضع السكاكي المتوفى سنة (626) للبلاغة تقسيما عقليا سيكون منهجا تعليميا لها في مختلف أدوارها، فنحن نعلم أن السكاكي كان معتزليا اتخذ الفلسفة لتدعيم مذهب الاعتزال -كما فعل غيره من الذين نقرأ عنهم في تاريخ المذاهب- وحاول أن يلخصها في كتابه «مفتاح العلوم». كان المذهب المعتزلي دعوة جريئة وسافرة في نفس الوقت لاستخلاص الثقافة الإغريقية، والاستعانة بها في ذلك الجهاد المرير الذي دار بعنف حول قضية الإعجاز. ولم يكن من السهل أن يدعو شيوخ المعتزلة إلى لون من العقيدة جديد، فتستجيب لهم الجماهير قد رسخت في عقولها وعواطفها «المعجزة» بشكل يتطلب جهادا قاسيا من الخارج تكون الفلسفة اليونانية أمضى سلاح له.

ونحن لا نشجب المعتزلة لأنهم سلطوا الفلسفة على الفن انتصارا لمذهب ما، ولا نعتبره عدوانا مبيتا، بل نعد المعتزلة رواد الحرية الفكرية في العالم الإسلامي، وإنما نحاول أن نقلب صفحة من تاريخ البلاغة العربية لا أقل ولا أكثر.

ونحن نعلم أيضا أن صراعا جدليا نشب بين بلغاء العرب وبين الرسول عشية ظهور القرآن، فجادلوه في سذاجة وبراءة فنية، وأنكروا الإعجاز في التنزيل، وأنه ليس إلا سحرا وأساطير الأولين. فكان هذا الجهاد الفني بذرة أولى لنشأة البلاغة. ولكن أية بلاغة؟ كان حماس المعتزلة -أو بعض شيوخ المعتزلة- حارا، فكان لابد لهم وهم يواجهون خصوما أشد عصبية وإيمانا برأيهم، أن يتصدوا للدفاع عن قضية هامة تمس عقيدتهم من قريب بعد أن هاجم خصوم القرآن روح الإعجاز، ولكن هذا الدفاع اصطنع الأسلوب الفلسفي فاتخذت البلاغة في ظلاله شكلا عقليا وتنكرت للمذهب الفني، وإذا صح أن أصحاب المدرسة الكلامية إنما جرهم إلى درس البلاغة موضوع الجمال، فإننا نعلم أن الفلاسفة عالجوا مشكلة الجمال قبلا، وإن اشتدت الصلة بين البلاغة والفلسفة من ناحية، فقد ابتعدت من عدة جهات.

السكاكي قد أحكم الصلة بين البلاغة والفلسفة، وهو والمتكلمون من بعده صبغوا أبحاثهم في علم المعاني خاصة، بروح المنطق ومادة الفلسفة، ولم يبحثوا قليلا عن الحرية في موضوع تبعده المسافات والأبعاد عن المنطق إلى مذهب العاطفة المتحررة على ألف جناح من ضياء القمر.

إذن لم يكن يعني بعلم المعاني وبالإنشاء الذي نعرضه مثالا على الخصوص سوى أبي يعقوب السكاكي، فهو الذي «محص زبدة البيان ورتب أبوابه» كما يقول ابن خلدون، ولم يكن بوسع الذين جاءوا من بعده إلا أن يلخصوا آراءه في بلاغة المعاني أو قواعد الإنشاء، لأن مشكلة الإعجاز تتطلب منهم أن يتدارسوا البلاغة على نحو عقلي لتأييد نحلهم، كما اتخذ الزمخشري -وهو رأس من رؤوس المذهب المعتزلي- بلاغة العقل طريقا إلى الفلسفة، ففي عصر السكاكي انتصرت الفلسفة على البلاغة بالرغم من أن مدرسة الجاحظ ما تزال يمثلها ابن الأثير (638) فوضع السكاكي «مفتاحه» في البيان والبديع والمعاني، ولم يعرف أهل البلاغة من قبله بلاغة الإنشاء على النحو الذي عرفوا به فنون البديع والبيان،

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٩٠٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٩٠٢