الفكر وفي حدود العقل. وهو حين يسلب اليونان مادة الذوق في تراثهم إنما ينصب نفسه رأسا لمدرسة ذوقية تعنى بالفن الباني.
أما الدكتور طه حسين، فيرى انه من الهين جدا أن نلتمس الصلة بين البيان العربي الذي يعجب له الجاحظ وهو هذا البيان الأصيل الذي يستمد حرارته من الأصول العربية، وبين البيان اليوناني الذي ينكره الجاحظ في شدة. ويرى أيضا أن الجاحظ يجهل أثر كتاب «الخطابة» لأرسطو في بلاغة العرب. فالبيان العربي عنده نسيج جمعت خيوطه من أصول مختلفة. فمادته عربية أصيلة وصورته فارسية، أما «الملائمة بين أجزاء العبارة» فيونانية بحتة. فالبيان العربي إلى القرن الثالث الهجري لم يكن عربيا خالصا ولا أعجميا خالصا، وغنما كان وسطا بين ذلك. فقد ترجم كتاب الخطابة على يد حنين بن إسحاق وكان معاصرا للجاحظ، فتدارسه المعتزلة وتأثروا به وخاصة قدامة بن جعفر.
والجرجاني أحد أقطاب المدرسة الأدبية في البلاغة لم يسلم من تأثير الخطابة الأرسطوطاليسية في كتابه «دلائل الإعجاز» و «أسرار البلاغة».
البيان في رأي الجاحظ في العبارة لا في الفكرة، ولذلك فهو يتهم مذهب أرسطو في البلاغة، ويعلل منهجه بأنه يدرس البلاغة من نواحيها الفكرية ولا يتلمس الجمال والمتعة في موطن البيان، فهي فكر قبل أن تكون بيانا، وهي أيضا عقل قبل أن تكون ذوقا، وهذا ما ستعنى به مدارس الكلام والأصول. أما الجاحظ فقد رفضه واعتبره عدوانا على الفن البياني، بالرغم من أنه قرأ كتاب الخطابة وحاول الاستفادة منه، ولكنه انتقده بإسفاف، ووصفه بأنه قواعد عقلية راكدة. فهو الذي عرف البيان ودرسه على أساس الذوق، وهو أيضا أول من وضع للفن الثاني مصطلح البديع في صورته الأولى ولم يصطلح لعلم المعاني ولم يتخذه موضوعا لدرس البلاغة، ولذا كان حظ الإنشاء معدوما في دراسات الجاحظ لأنه ليس من البيان في شيء.
وفن البديع أقدم فنون البلاغة التي سيحددها التقسيم الكلامي على يد السكاكي. فقد ظهر كتاب عبد الله بن المعتز في «البديع» سنة 274 واستقى من صميم الفن البياني مادة البديع، وبنى دراسته على الخطوط التي رسمها الجاحظ أو أستاذ المدرسة إن أردنا الدقة في التعبير. فكلاهما يرى البلاغة أصيلة في أذواق العرب، وكلاهما حاول الإبداع في إطار هذه الصالة، ولم ينشأ جديد في مجال البلاغة سوى الصناعة والمصطلحات التعليمية، لأن أساس البلاغة ليس هو البيان والبديع، وإنما هو الذوق في أصوله العربية. فابن المعتز اتخذ الشعر والنثر موضوعا لبحث فن البديع أو للإبداع في الفن، واعتمد القرآن والحديث أيضا في أصول فنه الجديد، ولم يلتمس الأصول لهذا الفن في كتب اليونان. إذن فالجاحظ مؤسس البيان، وابن المعتز مؤسس البديع وهو ظل من ظلال الفن البياني. أما المعاني كما سيدرسها السكاكي فلم يكن أصلا من أصول البلاغة العربية ولا شيئا يمس الفن من قريب أو بعيد، وإنما يجب أن نتلمس الأصالة في البيان والبديع بعد أن نسلبها كلمة «العلم» ونرفض المعاني، بل وبعض قواعد البيان كالاستعارة التي عرفت في دراسات أرسطو وكان يسميها «نقل الصورة» Image Nêtaphor وتظل البلاغة عربية خالصة أو كالخالصة حتى بداية القرن الرابع الهجري حتى ظهرت محاولة قدامة بن جعفر المتوفى سنة 337 في البلاغة، ثم محاولة أبي هلال العسكري (395). ورغم ما عرف به قدامة من نزعة فلسفية فقد ظلت الأصول العربية المادة الخام لحياة البلاغة، وظل البيان العربي الروح والمادة والشواهد، لم تؤثر فيه محاولة قدامة في وضع كثير من قواعد البلاغة وضعا عقليا. وإذا كان قدامة لم يعرض لبلاغة الإنشاء فغن أبا هلال العسكري كان حريا به أن لا يعرض لها لأنه لم يكن يعنيه من البلاغة إلا البيان الذي رسمه الجاحظ، فهو لم يتعرض للإنشاء في كتابه «الصناعتين» ولا في «ديوان المعاني» الذي حاول أن يستخلص فيه فنون الشعر والنثر، بالنقد والموازنة وإظهار الروح الجمالي في الشكل والمضمون جميعا، وقضية الفن عنده في درس البلاغة ثانوية بالنسبة للإعجاز، فهو قد اتخذ الفن وسيلة إلى تذوق بلاغة القرآن ولمس إعجازه، وقد استخدم طرق النقد والموازنة ين البليغ والوحشي من الكلام وإعداد الأديب لإدراك الجمال الفني في القرآن المعجز.
فأنت ترى أنه يسلك مسلك الجاحظ في فهم البلاغة، وهو لم يعط للمعاني وزنا مهما في التقييم البلاغي «لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي» على حد قوله، أما لبلاغة فهي في «إجادة اللفظ وصفائه» (انظر الصناعتين ص 57). وأنت ترى أيضا انه لم يدرس المعاني إلا من حيث الجدة والإبداع والرداءة والتقليد والصحة والخطأ، وهو حين ينقد المعاني في الشعر