دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 56
البلاغة العربية بين الفن والفلسفة
للأستاذ: الحاج الحريزي
بحث تاريخي في نشأة البلاغة وأصالتها من حيث هي فن من فنون القول على ضوء ما عرضته مختلف المدارس من عصر الجاحظ إلى وقتنا الحاضر ...
لعل من الخير لنا أن نسبق عصر السكاكي الذي طغى فيه منطق اليونان وفلسفتهم على أذواق الناس أو بعض الناس على الأقل، فكتبوا في البلاغة -حين أتيح لهم أن يكتبوا في موضوع يمت إلى الفنون بأوثق الصلات- بالأسلوب الميتافيزيقي الذي وصل إلينا، ولعل من الخير لنا أيضا أن نبدأ البحث من عصر الجاحظ بالذات، لنتبين النشأة الأولى لأدوار البلاغة العربية التي تمخضت عن فن البيان والبديع -وقد رسم خطوطهما هذان الرجلان- (255 هـ) ثم فن البديع على يد عبد الله بن المعتز الذي ستتمخض عنه بلاغة «المعاني» عندما تتعرض فنون البيان والبديع -وقد رسم خطوطها هذان الرجلان- لطغيان الفكر اليوناني الذي سيشيع في دراسات الإسلاميين لشتى الفنون والعلوم مذهبا عقليا ونزعة فلسفية كاسحة.
ولتوضيح «العقلية الوافدة» على البيان العربي على يد جماعة من المفكرين الإسلاميين الذين أتيح لهم أن يحدقوا ثقافات مختلفة نسوق بلاغة «الإنشاء» في قسم «المعاني» الذي أسبغ عليه هؤلاء المفكرون كلمة «علم» للمناقشة والتدليل على أن البيان تعرض للتقنين الفلسفي من حيث كان يجب أن يستمد طبيعته من صميم الفن.
نحن نعلم أن القرن الثالث الهجري هو البداية التاريخية لنشأة البلاغة فنا مستقلا عن بقية العلوم في أنشط عصور التدوين، مادتها القرآن وحديث الرسول وأروع فنون القول من الشعر والنثر، وأن الجاحظ هو أول من وضع نقطة البداية في موسوعته «البيان والتبيين» في فن البيان الذي سيكون له حظ وأي حظ في مجال العمل الأدبي عند مدرسة، وفي مجالات العقل والفكر عند مدرسة ثانية، فأوضح للبيان خطوطا ذوقية تأثر بها كثير من دارسي البلاغة، كما سيتأثر آخرون بالخطوط العقلية التي سيعيشها السكاكي من بعده؛ فكان الصراع بين الذوق والفهم، وكان الصراع أيضا بين البيان من حيث هو فن، وبين «المعاني» العقلية من حيث هي فلسفة؛ أو كان الصراع بين الفن والفلسفة على وجه من الحقيقة سافر. ونشأت من نتيجة ذلك مدرستان، مدرسة الجاحظ التي نصفق لها في حرارة المعجب والتي تتلمس البلاغة في النصوص ذات البيان والأصالة العربيين، ومدرسة السكاكي هذه التي تلتمس البلاغة في التراث اليوناني الكاسح.
كان مفهوم البلاغة حتى نهاية القرن الثالث هو البيان الذي حاول درسه الجاحظ في شيء من الأصالة والعمق، وأن «المعاني» -غير التي ستتقمص كلمة العلم فيما بعد- لم تكن موضوعا للدراسة عند مدرسة الجاحظ إلا من حيث هي روح حي للألفاظ. أما علم المعاني أو قواعد الإنشاء فقد عني به المتكلمون من أهل البلاغة، فالجاحظ هو مؤسس هذا العلم -إن جاز أن نطلق لفظة العلم على فن البلاغة- وان الذين سيأتون من بعده إنما سيسلكون سبيله في فهم البلاغة على أسس ذوقية، ولذلك كانت دراستهم منصبة على البيان والخطابة والبديع والأصوات من حيث القبح والجمال كما فعل الجاحظ من قبل. فقد تأثر به ابن قتيبة وأبو هلال العسكري وابن سنان وابن رشيق، واتخذوا من آرائه في بلاغة البيان منهجا للبحث. والجاحظ أبو البلاغة العربية ينتقد في قسوة بلاغة اليونان، بل هو ينكر أن يكون لليونان بلاغة وأنهم لم يسهموا في إنشاء بلاغة كالذي عرفه هو، وإن أنتجوا إنتاجا ما ففي ضوء