بالقصور وعدم الصلاحية. وإذا كان التعليم الإسلامي تلقى الضربات التي وجهها له الاستعمار بصبر وشجاعة، واستطاع أن يؤدي مهمته في أحلك الظروف ويقود أبناءه نحو التحرر من الأجنبي ولغته، فقد كان يعمل ذلك وهو متيقن أن النصر سيكون حليفه، وأنه التعليم الذي سيتحمل مسؤولية توجيه المواطن وتثقيفه بعد الاستقلال، وهو التعليم الذي سيخوض معركة التعريب من جديد، ويقود الموطنين نحو تأسيس دولة عربية إسلامية تؤمن بلغتها وتعتز بإسلاميتها.
ولم يخطر بالبال أن تقوم طائفة من أبناء الوطن ضد هذا التعليم، وتنصب له الحبال، وتحيك له المؤامرات لتقوض أركانه وتزعزع كيانه، مع أنه التعليم الذي يعمل باستمرار على خلق نهضة علمية إسلامية شاملة في مجموع البلاد. وإذا كان جهاز هذا التعليم يسير ببطء، وكانت بعض برامجه توصف بالجفاف، فذلك بعينه ما لوحظ أيضا في جميع أنواع التعليم الأخرى، باستثناء التعليم الأوربي المحض، الذي يتمتع بغيرة أبنائه عليه، ويسهرون على تطبيق برامجه ونشرها في أكبر عدد من الموطنين. فلا غرابة إذا أن نجد من بيننا من يفتخر بانتساب ابنه إلى هذا التعليم حتى ولو كان من التابعين لإحدى أنواع التعليم الأخرى بدعوى أن التعليم ما زالت برامجه غير قارة.
لقد آن الأوان أن نسلك سياسة رشيدة وموحدة إزاء التعليم، نبنيها بأيدينا، ونحكم برامجها على ضوء الخبرة التي استفدناها من السنوات الماضية، ونباشر المشاكل بأنفسنا، وحتى إذا كنا في حاجة إلى غيرنا، كنا على بينة من مقدار المساعدة (الفنية) التي سيقدمها لنا هذا الغير. أما أن نكتفي بوضع خاتم القبول على ما نسجه غرينا وأحكمه، فذلك ما يسكون مصيره مصير البرامج السابقة، لأن الشعب الذي عرف عدوه بالأمس لا يرضى أن يعود العدو ليتلاعب بمصالحه من جديد.
وبهذه الوسيلة يمكن لنا أن نوجه أبنائنا نحو ثقافة عربية إسلامية تساير تطور العصر وتشد حاجيات البلاد.
ولهذه الغاية قامت مصلحة التعليم الإسلامي العالي بثورة شاملة تحاول أن تعالج بها الأمراض التي يعانيها هذا التعليم في جميع وجوهه.
ونحن نبارك هذه الخطوة التقدمية لمصلحة التعليم الإسلامي العالي، ونتمنى لمدير التعليم العالي والبحث العلمي كل توفيق في ثورته على الأوضاع القديمة التي طالما جعلت التعليم العالي هدفا لانتقادات لاذعة من طرف الذين يجهلون أو يتجاهلون الرسالة التي أداها هذا التعليم بالمغرب منذ فجر الإسلام إلى اليوم، وأهمها: المحافظة على العقيدة الإسلامية واللغة العربية، ويحاولون اليوم أن يجهزوا عليه ويقبره. ومع ثقفتنا التامة في مدير التعليم العالي والبحث العلمي، واعترافنا بخبرته وسعة إطلاعه، وتقديرنا لمجهوداته التي بذلها في سبيل إصلاح التعليم العالي، فإننا نلفت نظر جنابه إلى وجوب بناء هذه الثورة على أسس متينة وان يكون هذا الإصلاح الجهاز الإداري، وتطهير سلك المدرسين والأساتذة من العاجزين وذوي النيات السيئة، وإحداث إطار خاص بالموظفين، وتوزيع المهام على حسب المقدرة والكفاءة، وإسناد الأمور إلى من يحسن تسييرها وإنشاء مراكز للتدريب.
ونحن نؤمن بأن برنامج الخمس سنوات الذي تنوي الوزارة تطبيقه ابتداء من فاتح هذه السنة الدراسية، لا يمكن أن يأتي بالنتيجة المطلوبة إلا بواسطة رجال الكفاءة والمقدرة.
وأملنا كبير في نجاح هذا المشروع ونتمنى أن يكون أداة فعالة في خلق جو من الغيرة والتسابق نحو تعريب التعليم وتوحيده بالمغرب وبذلك يكون التعليم الإسلامي العالي قد أدى رسالته أولا وأخيرا.