تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلايا العديدة بالترتيب المطلوب؟ ثم إن الكائن الحي من جهة وحدة مركبة من أعضاء تتكون بالنمو من الداخل فكيف يمكن الإدعاء بأن الكائن الحي تكون بالإضافة من الخارج على ترتيب معين في أزمنة متطاولة؟ ثم إننا نلاحظ في سلاسل مختلفة من الأحياء منفصلة منذ عهد بعيد وحدة تركيب في أعضاء معقدة غاية التعقيد كالشبكة مثلا فكيف اتفق لمثل هذه السلاسل ان تنتهي إلى نتائج متشابهة في نقط مختلفة من المكان والزمان؟.

وكان أصحاب نظرية التطور الأولى يعتبرون أن الكائنات العضوية وحدات متصارعة فحسب وفسروا تنوع السلالات بأنها ترجع إلى تنوعات بالمصادفة ونظروا إلى تأثير البيئة كمجرد ضغط خارجي خالص أو عملية غربلة. وقبلوا فكرة بقاء النموذج الأعلى كمعضلة ميكانيكية غير واعية وتمجد على ذلك تمجيد النشاط الأناني للفرد فأصبح التعاون الاجتماعي من أجل تحقيق الخير العام منبوذا. وافترضوا مغالطة انه إذا كان أحسن شيء بالنسبة لكل فرد هو البحث عن رفاهيته الخاصة فإن أحسن شيء بالنسبة لرفاهية الجميع إنما هو أن نسلك جميعا هذا المسلك وهي قضية يمكن أن نتبين نصيبها من الصحة لو نظرنا إلى ذلك الذي يحدث في مسرح تشب فيه النيران لو انطلق الجميع نحو الأبواب. أن أولئك الذين كانوا من اتباع نظرية الفردية الخالصة كانوا ينظرون إلى المجتمع بطريقة ميكانيكية أتوماتيكية بحتة. وقد بين برجسون في كتاب التطور الخالق أنه إذا كانت الأجناس الجديدة جديدة بمعنى الكلمة وليست تعديلا للأجناس القديمة فحسب يصبح لزاما علينا أن نقول أن الجديد لا يمكن أن يكون نتيجة لمجرد ترميم ميكانيكي للعوامل القائمة. ومن هنا قال برجسون بوجود قوة حياة تعمل على مادة الطبيعة الخام وتصبها في أشكال جديدة وأعلى على الدوام. كان برجسون محقا عندما أكد أنه لا تطور بدون ما هو جديد حقيقة.

إذا تطورت الأسماك إلى زواحف فهذا هو التطور. ومعنى هذا كذلك أنه لا بد أن يكون هناك استمرار حقيقي تماما كما يحدث عندما تنفجر البيضة فتصبح دجاجة. بينما هناك في الوقت نفسه فارق أساسي بين السماك والزواحف فالزواحف ليست مجرد نوع من الأسماك.

بعض التطوريين يميلون إلى القول بالاستمرار وبعضهم يميلون إلى القول بالاختلاف بدلا من القول بكليهما معا. المفكر الميكانيكي يقف في صف الاستمرار كلية ثم لا يجد لأنه يستطيع أن يفسر التغير الحقيقي فعنده أن التغير لا يعدو أن يكون إعادة توزيع لذلك الذي لا يتغير أبدا. ومن ذلك فهو يميل إلى القول بأن الإنسان ليس إلا حيوانا والحيوانات ليست إلا آلات معقدة. إنها فلسفة. «ليس إلا» أما «برجسون» فهو يقف إلى جانب التغير كلية انه يرى التطور كسلسلة من القفزات التي لا يمكن تفهمها وعنده أن ليست ثمة شيء في القديم يصلح لتفسير الجديد تماما كما أن الميكانيكي يعتبر أنه ليس ثمة شيء في الجديد لم يكن موجودا من قبل في القديم. الحقيقة التي أثبتها برجسون حقيقة هامة هي أن التغير شيء حقيقي فالكائن الحي ليس شيئا ميكانيكيا أكثر تعقيدا بل غنه يمتاز بخصائص مميزة. فكرة التطور عند برجسون تذهب إلى أنه تتالى فقرات غير متصلة. كل خطوة جديدة غير مستخلصة من السابقة عليها وهي جديدة تماما ولا يمكن التنبؤ بها. والحياة تتطور في سلسلة من الانطلاقات غير المترابطة غير المستمرة نحو الجديد. أن برجسون يقول في كثير من الأحيان إن القوة الحيوية تنطلق وتنمو وتنضج بدون توقف ولكنها تفعل ذلك بطريقة عمياء.

المعنى الدقيق لكلمة الوجود كما يطلعنا عليه شعورنا الداخلي يتضمن التغير والتغير يعني النضج والنضج يعني خلق الذات نفسها باستمرار. نحن نخلق أنفسنا في كل لحظة وهذا الخلق يؤثر في شخصيتنا من جديد. وعلى هذا فإذا كان ما نعمل يتعلق بما نحن عليه فإن ما نحن عليه أيضا هو إلى حد ما نتيجة لما نعمل. إن أعمالنا هي التي تعلمنا. ولكن هل يمكن أن نقول هذا القول أيضا عن الوجود بصورة عامة؟ إن المادة تكشف لنا عن خصائص معاكسة لتلك التي أتينا على ذكرها. فكيف يتمايز الشعور عن المادة في الوجود؟ لقد كانا في الأصل كتلة واحدة ولكن الحياة خلق مستمر متصل، وإذا كان الأمر كذلك فلنتساءل كيف تم وجود كائن المادة؟ كيف يمكن تصور خلق المادة؟.

المادة هي المقولة الوحيدة التي يمكن أن نثير بصددها مشكلة الخلق لأنها متمايزة كل التمايز عن الحياة وعن الشعور بينما المقولات الأخرى كلها في

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٩١