نسميه زمنا شعوريا إن سمينا الأول زمنا علميا. وأهم ما يبدو للزمن الشعوري انه والشعور أم واحد فهي النفس التي تمضي وتنتقل من الماضي إلى الحاضر حاملة معها الماضي وهي التي تجمعهما في وحدة حيوية متدفقة مندفعة بذاتها في اتجاه المستقبل. إن نظرنا لأحوال النفس وجدنا اتصالا مستمرا واختلاطا وتداخلا وتغلغلا. فليس هناك حب يظهر ويمضي ويأتي محله حب آخر أو بغض بل إن هذا الحب الذي نسميه منتهيا قد جعل يزحف في الحب الذي نقول انه يبدأ الآن وذلك جون أن ندري. ومنذ وقت لا نستطيع تعيينه. وليس هناك حزن ينتاب النفس ساعة أو بعض ساعة ويمضي لحاله ويحل محله فرح أو خوف أو غضب بل تمضي النفس في حزنها وينتشر الحزن في سطحها ويتوغل في أعماقها وقد يبدو أنه اختفى كالبرق بينما كانت النفس مليئة به حاملة آثاره وهو فيها دون أن تدري يطغى على الخوف فيقوي وطأته وينتشر في هذا الغضب فيجعله مرا وينزع على هذا الفرح ألوانه.
فالماضي يحتفظ بنفسه بصورة آلية. وإلا ما هو الطبع إن لم يكن للتاريخ الذي عشناه ولكننا بكل ماضينا نرغب ونريد ونعمل. أنه يتجلى كاملا في اندفاعه على صورة ميل أو نزوع. ولأن الماضي يبقى حيا في الحاضر فإنه يستحيل علينا أن نمر بالحالة الواحدة مرتين. أن شخصيتنا تنمو وتنضج دون انقطاع وهي بهذا النمو تكسب شيئا لا يمكن أن نتنبأ به من قبل لأن التنبؤ معناه إسقاط في المستقبل لما أدرك في الماضي أو تصور تركيب جديد لعناصر قد أدركت سابقا.
نجد برجسون يتحدث في صفحة رائعة عن دخول شخص لأول مرة في حياته مدينة يزمع أن يحيا فيها سنين ويذكر برجسون إحساساته الأولى بالمنازل والشجار التي لم يكن له عهد بها من قبل وكذلك الطرق والكنائس والمنتزهات وما يظهر لهذا الشخص من أشكال وصور واضحة أو أقل وضوحا ثم يمضي عليه الزمن أو تمضي نفسه في الزمن وهو في تلك المدينة ما يزال يسمي الأشياء بتلك الأسماء التي أطلقها عليها لأول وهلة. فالمنازل هي هي أو تبدو له كذلك في لغته العادية والأشجار هي هي وكذلك الطرق والمنتزهات. ولن من يتبين الأمر يجد أن ذلك كله قد تغير في نفسه ولا يشابه في شيء المنازل والشجار والطرق الأولى. ولا يستطيع هذا الفرد أن يتحدث عن نفس الإحساسات ولا أن يصف الشجار التي أظلته واستند إلى جذعها بنفس الوصف فهي قد تغيرت وإحساسه قد تغير كما تغيرت نفسه. هذا هو زمن النفس الحقيقي الديمومة وأخص ما يجب قوله عن الديمومة أننا لا نستطيع اكتشافها قبل أن تدخل في النفس موطنها الأصلي كما أننا لا نستطيع اكتشاف النفس في حقيقتها قبل أن ندخل موطنها الأصلي أي الديمومة.
الحياة النفسية إذن تلقائية إذ أنها انبعاث من باطن وخلق مستمر أو ديمومة لا تحتمل رجوعا إلى الماضي وعودة ظروف بعينها ولا توقعا للمستقبل ضروريا كما تحتمل الظواهر المادية. وأحوال النفس متداخلة يطغى الماضي فيها على الحاضر والمستقبل ونتيجة هذا التداخل تغير وتجدد مستمر فحال نفس الآن غير نفس البارحة لأن حال نفس اليوم قد انضم إلى حالها أمس فتحولت بهذا الانضمام أي من شأن تقدم النفس من الماضي إلى الحاضر والمستقبل أن تتغير في صورتها وفي فحواها. فإن ظهرت اليوم سعيدا لنفس سبب الأمس فسعادتي ذاتها قد تجددت في جوهرها وتجددت في معناها وفي فحواها. ولكن هذا الكلام لا يفهم إلا بنسبته إلى كائن حي. وفي الشعور دلالة واضحة على الحياة لأن الشعور يحمل تغييرا وتجددا متصلا وما دام الشعور والديمومة أمرا واحدا وما دامت معالم الوجود كلها راجعة للديمومة فهي في أعماقها حية بل ليست الديمومة إلا حياة متصلة.
يقول برجسون ليس الكائن الحي مجرد مركب من عناصر سابقة كما يرى الآليون ولكن الحياة شيء غير العناصر وشيء أكثر من العناصر. إن الكائن الحي يدوم ديمومة حقة فإنه يولد وينمو ويهرم ويموت. وهذه ظواهر خاصة به، لا تبدو بأي حال في المادة البحتة. وليست الأنواع الحية ناشئة من أصول متجانسة نمت وتحولت بتأثير القوى الفيزيائية والكيميائية على ما شاءت الصدفة العمياء فإن هذا وهم من الآليين إذ أنهم ينظرون إلى الكائنات الحية فيحللونها بالفكر إلى بسائط ويجعلون من هذه البسائط المعقولة أصولا تاريخية على حين أن العضو في لكائن الحي «وحدة مركبة من آلاف الخلايا المختلفة مرتبة ترتيبا معينا» فكيف انضمت هذه