تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صميمها خلق وتجدد. الخلق يحمل سر كل شيء ولكن معناه ليس من المعاني التي يسهل فهمها وإذا كان في الخلق سر جميع الأشياء فلا يمكن التعبير عن الخلق تعبيرا عاديا. ولذلك عمد برجسون إلى أسلوب خاص في معالجة مشكلة الخلق وهو أسلوب يبعد كل البعد عن أسلوب الفلاسفة إلا إذا استثنينا أفلاطون وأفلوطين. في نظر برجسون اللغة الفلسفية لا تصلح لسر الخلق فلا بد من لغة أخرى وأدوات أخرى ولذلك نراه يقوم بتشبيهات واستعارات دقيقة تجعلنا نلمس طبيعة الحياة والخلق.

لا يتكلم برجسون بطريقة واضحة إلا بصدد خلق المادة ولا مجال عنده عن خلق الشعور والحياة والديمومة بما أن كلا من هذه تعبر لطبيعتها عن الخلق. أما معنى المادة فهو أبعد المعاني عن الحياة والخلق ونقصد بالمادة تلك التي لا تبدو أنها تحمل على الإطلاق أي صفة من صفات الروح. تلك المادة المنقسمة التي تحمل انفصالا مستمرا وتجزئة مستمرة. ويقوم هنا أشكال واضح عن هذه المادة كيف يمكن أن يقوم هذا الوجود الذي يحمل بمعنى واضح كل ما يخالف الحياة؟ كيف يمكن وجود كائن يعارض في أصله ومظاهره معاني الحياة؟ يستخدم برجسون هنا تشبيهات للتعبير عن خلق المادة ويقترب أسلوبه من أسلوب أفلاطون في موسوعياته والمعنى الأساسي لتلك التشبيهات هو أنه بما أن الوجود بمعناه الحقيقي العميق هو خلق فالمادة إما غير موجودة أو تعارض فعل الخلق في أساسها. ولكن من الصعب علينا وقد تعودنا الديمومة والشعور وهذا المنهج الذي يذهب بنا إلى أعماق النفس من الصعب إذن أن نفهم توقف هذا الخلق إذ كيف يتوقف وهو متصل دائم في جوهره.؟

هناك مستويان مستوى الفعل الأسمى ذاته ثم مستوى ما يصدر عن هذا الفعل. هناك مستوى فعل الخلق وهناك مظاهر هذا الفعل وصوره التي سميناها حياة أو شعورا أو ديمومة أو كائنات حية فهي حائزة على صفة الخلق والتجدد والاتصال ولكنها ليست الخلق ذاته وما دامت متمايزة عن فعل الخلق فهي متجهة إلى نقصان مستمر. ويمكن أن نتصور المادة في حد هذا النقصان. إذ عندما ينفصل الكائن الحي عن الأصل الخالق وعن التيار الخالق يصبح الكائن في النهاية متجمدا وعندما تنفصل الديمومة عن مصدرها الخالق تصبح امتدادا ومادة أي انتشارا وتمددا في المكان. للخلق إذن واجهة وخلف. واجهة الخلق الديمومة وظهر الخلق المادة. فإن تصورنا انقلاب فعل الخلق فإننا نتصور للتو ظهور المادة في العالم. هذا هو معنى التشبيهات التي يوردها برجسون. ونبدأ التشبيه الأول تشبيه خلق المادة بفعل الرسام أو الفنان «كم من الخطوط والمنحنيات والرسوم تعادل رسم فنان عظيم أي كم يجب علينا من المحاولات ومن الرسوم حتى نستطيع أن نقلد رسم الفنان وهو الذي يقوم به الفنان في حركة واحدة. ومع ذلك فرسم الفنان الذي نجده على الورقة أليس هو بدوره تحديدا وتجميدا للحركة؟ بمعنى أصح ألم يصبح حركة متوقفة جامدة. إلا ينذر بتوقف الحركة وبتوقف الابتكار؟ ولنفكر في جميع الحروف التي دخلت في تركيب كل ما كتب حتى الآن فإننا لا نتصور في هذه الحالة أن أحرفا جديدة ستظهر وستنضم للحرف الموجودة حتى الآن. لنتصور شاعرا يبتكر قصيدته هذا الابتكار فعل بسيط للنفس ولكن هذا الفعل ما عليه إلا أن يتوقف لحظة بدلا من أن يستمر في إنتاج وابتكار جديد حتى يتبدد هذا الفعل في كلمات تنفصل حروفها فيما بينها وتنضم تلك الحروف للحروف الموجودة. فمن الجائز لشاعر عظيم أن يضع كلمات جديدة ولكن هل يخلق أحرفا جديدة؟ التشبيه الثاني تشبيه الخلق بحركة الذراع ترك لأمره لسقط ثانية رغم أن شيئا من تلك الإرادة التي عملت على رفعه باق فيه. لدينا هنا صورة لانقلاب حركة أو فعل خالق تعيننا على فهم أدق للمادة. إننا هنا أمام انقلاب خطير أكثر من الأول يعيننا على فهم خلق المادة ولو أن الفارق عظيم بين الذراع المتوقف في نزوله كما لو كان قد فقد الحياة. ولنتصور إنسانا يقوم بحركة وحركته تنقلب سكونا بمجرد ابتدائها أو لنتصور إنسانا يستيقظ ثم يرجع إلى النوم بمجرد يقظته. في كل تلك الأحوال نلحظ نفس الظاهرة أي انقلاب حركة الحياة والاتجاه إلى التجمد بل ظهور التجمد أي ظهور المادة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٩٢