تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 45

الحياة والخلق عند برجسون

للأستاذ: فؤاد نجم

معهد الجمهورية العربية المتحدة بالرباط

يجمع الفلاسفة المعاصرون -مهما تشعبت مواقفهم واختلفت- على ضرورة البحث عن حقائق بعيدة عن مستوى الملاحظة المعتادة، أو التجريب العلمي، وبعيدة أيضا عن أن يبلغها المنطق المعروف سواء أكان أرسطيا أو أوفيزيقيا رياضيا. وهذه الثورة الفلسفية لها أعظم الأثر علميا وعلميا فبعد أن كانت الفلسفة في القرن الثامن عشر وجزء كبير من القرن التاسع عشر تابعة وخادمة أمينة للعلوم الوضعية أصبحت متبوعة ومسؤولة عن تغيرات خطيرة ف يميدان العلم والعمل.

ولكن انتقاد بعض العلماء والفلاسفة للتفسير العلمي لا يعني أنه لم يعد عندهم ثقة في العلم وإنما كان هذا الانتقاد تعبيرا عن عدم ثقتهم في نوع معين من التفسير. فلا ينكر الفلاسفة المعاصرون والعلماء أن المعادلات الجبرية التي يعبر بواسطتها عن العلاقات الطبيعية صادقة أو دقيقة ولا ينكرون قيمة التطبيق في المعمل. وإنما فكرتهم أن هذا التطبيق لا يدل على صحة مطلقة في المبدأ والتفسير. فطمحوا إلى تفسير مرض ينتزع القشرة الظاهرة للعالم والإنسان. وهذا هو العمل الذي بدأ به برجسون رياضيا في هذا العلم الاستدلالي المتكبر يجب أن نحاول تحقيق الجمع بين روح فنية وروح هندسية. فافتتح بذلك عصرا جديدا.

بدأ برجسون بأن كان ماديا ولكن التفكير في الحياة النفسية قاده إلى إنكاره قول الماديين أنها مؤلفة من ظواهر منفصلة تتصل بموجل قوانين التداعي. فالحياة النفسية تيار غير منقطع من الظواهر المتنوعة أي تقدم متصل من الكيفيات المتداخلة بخلاف الظواهر المادية التي هي كثرة من الأحداث المتمايزة المتعاقبة. ولو كان وجودنا مركبا من حالات منفصلة تربط بينها ذات عديمة التأثر لفقد خاصة الديمومة لن الذات التي لا تتغير لا تدوم. وبذلك لا نحصل إلا على تقليد مصطنع للحياة الداخلية ذلك لأننا نهمل الزمان الواقعي بينما الزمان هو نسيج الحياة النفسية. ولكي نوضح هذه النقطة يتعين علينا أن نتعرف على أحوال النفس.

الشخصية تنتقل في الزمن وتتغير. كنت بالأمس غير ما أنا عليه اليوم وسأصبح غدا شيئا آخر أسير على حظ الزمن كمتحرك يتغير أثناء تحركه على منحنى تحركه أظهر في شكل عندما أقوم في نقطة معينة وأظهر في شكل آخر عندما أقوم في نقطة معينة وأظهر في شكل آخر عندما انتقل إلى نقطة أخرى. بالأمس كنت خائفا مثلا واليوم أنا سعيد وغدا ربما أصبحت منقبضا. أن نفسي ممتلئة الآن حبا لهذا الشخص ويستمر هذا الحب سنة أو سنتين ثم يحل محله حب أو بغض لشخص آخر وهكذا فيما يتعلق بجميع الأحوال. الأفعال تملأ النفس ساعة أو بعض ساعة ثم تختفي فتحل محلها أفعال أخرى ومن ثم هناك تطابق بين أحوال النفس وأجزاء من الزمن. فالإحساسات والخيالات والأفكار والخواطر تطرد بعضها بعضا كما تطرد الساعات والدقائق ساعات ودقائق أخرى. تلك هي صورة النفس كما تبدو في صورة الزمن من الناحية العلمية أي باعتباره إطار أحوال النفس.

إلا أن من يعرف نفسه ويتعمق أحوالها لن يرضى بهذا الوصف ولم يقنع به إذ أن ديمومتنا ليست آنا يحل محا آن وإلا لما كان هناك الحاضر ولما تحقق امتداد الماضي في الحاضر أي لما كان التطور. بل إن للنفس مجالا آخر أقرب إليها وأكثر اتصالا بها وانسجاما معها بل يتحد بها كل الاتحاد زمنا يصح أن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٨٩