وأما الأوزان العربية فقد استغلها الفرس حقيقة في أشعارهم ولكنها لم تكن وحدها تستعمل فيها بل نجد أن أول محاولة لنظم الشعر الفارسي في العهد الإسلامي كانت في ذلك الوزن الذي عرف «بدوبيت» واحتذاه حتى العرب فيما بعد كما فعل الأندلسيون المنتصرة باختراعهم الموحشات والأزجال واحتذاها غيرهم خارج الأندلس. ويذكر الفرس أن أول نواة لهذا الوزن كان عهد الصفارين الذين وقف أحدهم على طفل له وقد رمى ببندقة إلى الحفيرة التي كان زملاؤه يرمون أليها فلما وصلت لمكانها فرح الابن وطرب بهذه العبارة راقصا: (رفتان رفتان ميرود تالب كو) أي تذهب جارية جارية حتى شفة الحفيرة. فسر الملك لفرحة ابنه وصيحته السارة، وقال لرجاله: أتموا هذه الفقرة فأتموه، ونشأ من ذلك الوزن المعروف (دوبيت) أي البيتان وما زلنا حتى الآن نقول فلان يعمل البيتين ..
وإذا كنا نجد في الشعر الفارسي مثل قول الجاحظ:
ألا أيها الساقي
كه عشق آسان نمود أول
أدر كأسا ونالها
ولي افتاد مشكله
أو قوله:
در حلقه كل ومل خوش
هات الصبوح هيو
خواند دوش بلبل
يا أيها السكارى
ثم قوله:
آن تلخوش كه صوفي
أشهى لنا وأحلى
أم الخبائشش خواند
من قبلة العذارى
فإننا نجده كذلك يأتي لنا بأوزان أخرى لا صلة لها بالعربية في أوزانها مثل قوله:
ميد مد صبح وكله بست سحاب
الصبوح الصبوح يا أصحاب
وغير هذا مما هو في ديوانه وفي ديوان غيره من شعراء الفرس ..
نعم إن الفارسية أخذت من العربية أكثر مما أعطتها ودخلت فيها مواد لغوية لم تكن موجودة في الفارسية قبل ذلك ولكن مع هذا فالفارسية أصبح لها منذ القرن الرابع الهجري كيانها التام في أدبها بنظمه ونثر .. وهي عن عدت اللغات التي لها الأثر الواضح في العربية فهي أولى اللغات وأشدها تأثيرا فيها ولا ريب ...