تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وترجمة (كليلة ودمنة) من الفارسية تعطينا مثلا آخر لتأثير هذه الفارسية في الأدب العربي في عهوده المبكرة .. فالكل يعلم أن هذه الموضوع كان طريفا في الأدب العربي، ثم يعلم الجميع أيضا مقدار ما استفادته الدولة العباسية من لغة الفرس التي أندلست في قصورها وتقاليدها وآدابها .. وأخيرا نجد من الكتاب الذين تفتخر العربية بهم أبا بكر الخوارزمي وبديع الزمان الهمداني. وكلاهما لا ينكر له أثره الفارسي فيما استحدثه في الأدب العربي من ألوان لم تكن بتلك النضارة فيما مضى ... وكذلك يقال في شعر مهيار الديلمي الذي زها به الشعر العربي زهاء قل نظيره ..

أما اليونان فقد اتصلت بهم عقول العرب قبل أن تتصل بهم وجداناتهم وأخيلتهم، فعرف المنطق الذي ذكره الجاحظ في كتبه وبقية العلوم التي كانت متصلة بفلسفة أرسطو. ومنها البلاغة التعليمية التي وضع الفيلسوف لها أسسا لم يستفد منها الأدب العربي إلا استفادة عكسية جعلت بلاغته بها تبهت ألوانها وتتقيد حركاتها. على حين أن الأدب اليوناني ظل في منأى من الأدب العربي. ولم يستفد حتى فلاسفتنا منه إلا استفادة مشوهة يذكرها الدكتور نفسه في مقدمته على كتاب الشعر لقدامة بن جعفر ..

أما عبد الحميد الكاتب فإن أسلوبه ليس بدعا بين الأساليب العربية. واستعمال الجمل الحالية التي تأخذ بتلابيب الجمل الرئيسية ليس كذلك من التأثير اليوناني. وإن أفرط فيه صاحبه فلعقليته الدقيقة التي يشاركه فيها عقليات أخرى عربية لا شأن لها والتأثير اليوناني ..

وأخيرا ها هو القرآن وها هي الأحاديث النبوية وفيهما من المعربات الفارسية أكثر مما فيهما من معربات غيرها، ثم هذه كتب اللغة العامة أو الخاصة بالمعربات؛ تجد فيها المائات من هذه الألفاظ الفارسية كما نجد أصحابها يندفعون إلى الحكم بالفارسية في عدة ألفاظ ليست في الواقع فارسية، وإنما كان شعور أصحاب تلك المعاجم قويا في أن هذه الفارسية لها الأثر كله أو الأقوى في اللغة العربية. فحتى أخطاؤهم هذه نستفيد منها كما رأينا ...

وثانية الملاحظات أن الأدب الفارسي -كما قال أستاذنا- لما جدد في العصر الإسلامي لم يظهر فيه إلا الشعر الفارسي وحده وأنه حتى في أوزانه كان لا يعدو الأوزان العربية، بل أنه تتخلل بعض أبياته أبيات عربية ...

والحقيقة أنه ظهر بإزاء الشعر نثر فارسي فتي اشتهر كتابه به في رسائلهم الديوانية، وفي مؤلفاتهم الأدبية، وفي مناجاتهم الصوفية ..

وعروضي في كتابه (جهار مقاله) يذكر في مقالته الخاصة بالكتاب كثيرا من الأمثلة والحكايات الواردة حول هؤلاء الكتاب. ومن إحدى هذه الحكايات أن كاتبا لبني سامان كان يحير رسالة ديوانية، وفي أثناء ذلك دخلت عليه خادمة فأخبرته بأن الدقيق خلص من البيت، فارتبك في رسالته وكتب (آرد نماند) أي الدقيق لم يبق. ثم سلم الرسالة إلى مخدومه فلما قرأها تحير من هذه العبارة وما حصل بعدها من ارتباك في أسلوب الرسالة، ونادى الكاتب وسأله عما ورد في هذه الرسالة، فخجل وقص عليه ما جرى له، فأجابه: أن أول الرسالة كان بمثابة «قل هو الله أحد» وإن الباقي كان بمثابة «تبث يدا أبي لهب» ...

وكتاب عروضي نفسه يصح أن يعد أسلوبه الراقي من تلك الأساليب النثرية الفنية التي كانت تعايش الشعر الفارسي في أواخر القرن الخامس .. وهذا كتاب آخر للبيهقي أحد كتاب مسعود الغزنوي في النصف الأول من القرن الخامس نجد فيه عشرات الأمثلة من نثر الرسائل الديوانية التي حبرت أيام محمود الغزنوي في أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس، كما نجد أخرى لمؤلف الكتاب ولغيره في منتصف القرن الخامس .. وكلها يشهد بما كان للنثر الفارسي الفني من مكانة خطيرة بين الآثار الأخرى الفنية .. أما مناجات الصوفية التي نشأت بنيساور في عهد سحيق فإننا نجد فيها روعة فنية ف ينثرها كما نجد ذلك في شعرها .. وحسبنا أن نتناول كتاب (مناجات نامه) لعبد الله الأنصاري فنجد ما يثبت هذه القضية إثباتا قاطعا ..

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٨٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٨٧٥