دعوة الحق، س.3، ع 3 /أكتوبر 1959 .................. ص 30
تأثر الأدب العربي بالفارسية
للأستاذ: محمد بن تاويت
هذا بحث كان قدمه كاتبه الذي يحمل دبلوما في اللغة الشرقية أثر إلقاء الدكتور طه حسين -عند زيارته للمغرب- محاضرة تحت عنوان: «الأدب العربي ومكانته في الأدب العالمية». ونظرا لكون هذا البحث يثبت أن الأدب العربي تأثر بالأدب الفارسي أكثر من تأثره بالأدب اليوناني وذلك عكس ما قرره الدكتور طه حسين أثرنا نشره ليطلع المعنيون بالأدب العربي على وجهة نظر ثابتة ربما تكون أقرب إلى الصواب من غيرها وباب البحث مفتوح أمام كل باحث.
لسنا في هذا التعليق الوجيز متعرضين للتنويه بتلك المحاضرة القيمة ولا مثيرين إلى جوانب عظمتها. فهذا وذلك مما يدخل قي باب «الخبر بمعلوم»، بل ربما يغمط المحاضرة حقها الذي يشهد به الجميع كما يشهد لمثيلاتها العديدات التي ألقيت في مشارق الأرض ومغاربها.
وإنما الذي يعنينا في هذا التعليق هو بعض الملاحظات أو المراجعات التي نعتقد أن أستاذنا الكبير يسر لها خصوصا وإنها صدرت عن تلميذ له مدين لفضله ومعترف بجميله الذي لا حد له ..
وأولى تلك الملاحظات أن أستاذنا قال في محاضراته: أن الدب العربي لم يتأثر بالفارسية بقدر ما تأثر باليونانية ..
فهذه المسألة يبدو لنا فيها خلاف: ذلك أن الأدب العربي كان في تأثره بالفارسية أسبق وأمتن من تأثره باليونانية أما كونه أسبق فيشهد بذلك التاريخ والنصوص الأدبية التي بأيدينا ثم من وراء ذلك طبيعة الأشياء نفسها ..
ففي الجاهلية نجد الحيرة بمناذرها الذين كان يؤمهم الشعراء من الأطراف القريبة والبعيدة كما كان بجانبهم آخرون مقيمون .. وجميعهم تأثر شعره بالفارسية وورد فيه كثير من الألفاظ التي تفوق كثيرا تلك الواردة فيه من غير الفارسية ..
وحسبنا أن نذكر من هؤلاء عدى بن زيد والأعشى الأكبر .. اللذين ورد في شعرهما من الفارسية ما يزيد على مائتي لفظة ..
هذا ما كان بالجاهلية أما في الإسلام فهذا الجاحظ مثلا -يذكر في كتبه عدة نصوص تثبت أن الفارسية كانت قد تدخلت بصورة جدية في الأدب العربي. وقد نقل نفسه في البيان بعض الأشعار الفارسية التي عرفت في الأدب العربي بنصوصها. كما يذكر أن بعض الوعاظ كان يعظ العرب بالعربية ثم يتجه إلى الفرس فيعظهم بالفارسية في أسلوبه القوي وفصاحته التي لم تنل منها إحدى اللغتين شيئا ...
فهذا النص يدل على أن الفارسية كان لها شأن لم يكن لتلك اليونانية التي حتى الآن لا نعرف أن واعظا كان يعظ بها: ف يذلك الحين ولا بعده ..